في جريمة جديدة جاءت بتوجيهات من أجهزة أمن الاحتلال، لم تتردد (إسرائيل) في استخدام مليشيات العملاء لاغتيال مدير مباحث خان يونس، المقدم محمود الأسطل، أول من أمس، ضمن مشهد لم يعد فريدًا من نوعه في قطاع غزة.
وفي خضم الحرب التي بدأت يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، دأب جيش الاحتلال ومليشياته على اغتيال كوادر المقاومة والمنظومة الأمنية بغزة، ضمن سلسلة استهدافات عسكرية تسببت بجرائم إبادة جماعية. لكن بعد وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر 2025، تصاعد اعتماد الاحتلال على هذه المليشيات؛ خط الدفاع الأول عن جنوده في الأماكن التي يسيطر عليها بغزة.
ففي منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2025، اغتالت المليشيات المقدم في جهاز الأمن الداخلي أحمد زمزم، في مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، فيما أكدت مصادر أمنية، أن منفذو الاغتيال اجتمعوا بأحد ضابط مخابرات الاحتلال قبل التنفيذ، استنادًا إلى اعترافات أحد المنفذين الثلاثة بعد سقوطه في قبضة أمن المقاومة.
وأعلن حينها العميل غسان الدهيني، الذي يترأس مليشيات العملاء في منطقة تقع تحت سيطرة جيش الاحتلال، شرق مدينة رفح، في جنوبي قطاع غزة.
وبعد قرابة شهر، نفذت المليشيا التابعة للعميل حسام الأسطل، شرق خان يونس، الجريمة التي راح ضحيتها المقدم محمود الأسطل، علاوة على عمليات اختطاف طالت أيضًا عددًا من رموز المقاومة، والأجهزة الأمنية.
الاغتيال نفسه الذي اعتبرته وزارة الداخلية، وأمن المقاومة، سلوكًا إجراميًا يخدم مساعي الاحتلال لضرب الجبهة الداخلية وإشاعة الفوضى والانفلات الأمني، اعتبره مراقبون ومحللون سياسيون وعسكريون، مهمات خاصة تنفذ بالوكالة، وتهدف إلى عدم انخراط جنود جيش الاحتلال وقواته الخاصة فيها.
الباحث في الشؤون العسكرية رامي أبو زبيدة، يرى أنه رغم امتلاك الاحتلال تفوقًا تكنولوجيًا وجويًا، إلا أنه يلجأ للمليشيات العملية لأسباب استراتيجية، تهدف بالدرجة الأولى إلى خلق الفتنة الأهلية.
وأضاف أبو زبيدة في تصريح لصحيفة "فلسطين"، أنه "عندما يُقتل ضابط فلسطيني برصاص محلي، يراد تحول الصراع من مقاومة ضد احتلال إلى ثأر عائلي وعشائري، بهدف استنزاف الحاضنة الشعبية ودخول العوائل والمجتمع في صراعات دموية يصعب إطفاؤها.
كما أن عمليات الاغتيال هذه، يسعى الاحتلال من ورائها إلى "تصدير مشهد للعالم والداخل الفلسطيني، بأن ما يحدث هو تمرد داخلي أو حرب تصفيات حسابات، وليس جرائم اغتيال منظمة يديرها (الشاباك) الإسرائيلي."
وأشار إلى أن تركيز الاحتلال ينصب على الكادر الخدماتي الأمني؛ ويشمل المباحث، والأمن الداخلي، ولجان تأمين المساعدات، كونهم المسؤولون عن منع الفوضى، وتأمين توزيع الموارد المحدودة، وملاحقة اللصوص والمهربين، وتغييبهم يعني الفوضى الإجرامية.
وكما يعتقد أبو زبيدة، فإن الاحتلال يسعى إلى صناعة روابط قرى جديدة، عبر دعم شخصيات مثل حسام الأسطل وميليشياته، بهدف خلق "سلطة بديلة" كأداة في يده لإدارة شؤون السكان بعيدًا عن المنظومة الوطنية الفلسطينية.
وبينما يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عليان الهندي، أن المليشيات العملية تتعامل مع الاحتلال وتخدم أجندته، حتى صارت جزءًا منه، بين أن الاحتلال يستخدمها كدروع بشرية لحماية قواته.
وأضاف الهندي لـ"فلسطين": "(إسرائيل) اعتادت في أي هجوم في أوساط الناس، أن تضع الفلسطيني سواء كان متعاونًا معها أو غير متعاون، في مقدمة المواجهة كي تكون الخسائر فلسطينية وليست إسرائيلية، بهدف تفادي جنود جيشها أي خسائر محتملة."
وأشار إلى استخدام جيش الاحتلال المواطنين الأبرياء العزل كدروع بشرية خلال الحرب، للتفتيش في الأنفاق والبيوت بحثًا عن عناصر المقاومة، وبعدها قُتلوا بنيران إسرائيلية، أما المليشيات العملية تستخدم كدروع بشرية لكن برضاها وخاطرها وبناءً على تعاون مسبق مع (إسرائيل).
وتابع: إن هذه المليشيات "تنفذ تعليمات الاحتلال، ولا تمارس نشاطات بناءً عن قرارات مسؤوليها."
وفي تحليله لأسباب تكثيف الاحتلال اعتماده على المليشيات، نبَّه إلى ذلك يأتي ضمن محاولات (إسرائيل) منذ بداية الحرب، لمنح العملاء دور أمني وسياسي، وتعزيزه لاسيما أننا في مرحلة انتقالية يبدو فيها المستقبل مجهولاً.
واستدرك الهندي: "إن (إسرائيل) ليست مستعدة للتخلي عن دور هذه المليشيات في الوقت الحاضر إلى أن تتضح المراحل المستقبلية، وحال تحقق ذلك، أتوقع أن توكل دورًا آخر لها."