كان أحمد المفتي يحاول شدّ شادر الخيمة البلاستيكي الذي يتطاير مع زوبعة رياح شديدة، بعد أن هدم سور الخيمة وغمرت مياه الأمطار الداخل عبر فتحات في الشادر المهترئ. وضعت العائلة الشادر لحماية نفسها من المنخفض الجوي الذي تتأثر به المنطقة، والمتوقع أن يبدأ بالانحسار ظهر الأربعاء.
ولم ينجح المفتي في إعادة تثبيت الخيمة بسبب شدة الرياح، قبل أن تتبعها زخات الأمطار، واضطر للاختباء داخل الخيمة التي أوشكت الرياح على اقتلاعها. وقال لصحيفة "فلسطين"، بعد هدوء الزوبعة: "نزحنا من شمال القطاع إلى مدينة غزة، ونعيش معاناة كبيرة بسبب المنخفضات الجوية المتلاحقة. أدى المنخفض إلى سقوط الخيمة علينا ليلًا، وفي الصباح قمت برفع أعمدتها".
رياح قوية وأمطار غزيرة
تكررت معاناة عائلة المفتي مع سابع منخفض جوي يتأثر به قطاع غزة منذ بدء فصل الشتاء، لكن المنخفض الحالي تميز برياح قوية بلغت سرعتها نحو 90 كيلومترًا في الساعة في بعض الهبات، مصحوبة بأمطار غزيرة وعواصف رعدية أدت إلى اقتلاع خيام وغرق آلاف النازحين.
تكشف هذه المنخفضات حجم الكارثة الإنسانية التي يعانيها قطاع غزة نتيجة الإبادة الجماعية، سواء من خلال انهيار أبنية آيلة للسقوط على ساكنيها، أو الأحوال الجوية القاسية التي أسفرت عن وفاة سبعة أشخاص جراء انهيار منازل، ووفاة طفل آخر بسبب البرد القارس، ليصبح الشتاء موسمًا قاتلًا في غزة.
أما زكريا أبو القنمبز، فبينما كان نائمًا على فرشته داخل خيمة أقامتها العائلة على رصيف شارع اليرموك بمدينة غزة، وجد نفسه فوق المياه بعدما ارتفع منسوبها وغمرت الخيمة من جوانبها، ما أدى إلى تبلل الأمتعة والمقتنيات.
وأثناء محاصرة المياه لخيمته، وضع أبو القنمبز بعض الحجارة الكبيرة ليتمكن من الدخول والخروج، وقال: "وجدت نفسي نائمًا على المياه. نعيش أصعب أوقات حياتنا، فالحياة في الشارع قاسية، والمعاناة تأتي من كل شيء؛ من الأمطار والرياح إلى الحشرات والقوارض".
مع توالي المنخفضات وغياب وسائل التدفئة في ظل البرد القارس، أصيب آلاف الأطفال بنزلات برد وإنفلونزا، ما فاقم معاناتهم، كما حدث مع عائلة أبو القنمبز: "لدينا ثلاثة أطفال صغار، جميعهم مرضوا بسبب الأجواء وقسوة الحياة".
معاناة متكررة لعائلات نازحة
لا تختلف قصة محسن حسونة، المكنى "أبو صالح"، كثيرًا؛ إذ نزح مع عائلته من حي الشجاعية إلى أحد مراكز الإيواء في حي الصبرة جنوب غزة، بعد أن نجوا من الموت بسبب القصف والرصاص العشوائي من قوات الاحتلال.
لكن المعاناة لاحقتهم، إذ أدت الرياح القوية والأمطار الغزيرة إلى تحطم خيمتهم وغمر الملابس بالمياه، ما وضع العائلة أمام خيارين أحلاهما مرّ: البقاء في المخيم تحت البرد القارس أو العودة إلى الشجاعية ومواجهة الخطر الداهم.
وقال حسونة: "تقع خيمتي أسفل منحدر، وغمرت مياه الأمطار نصف متر داخل الخيمة، أغرقت الملابس والأمتعة، فسقطت الخيمة وغادرناها. لا نعرف ماذا نفعل أمام قسوة الحياة والتنقل، بالكاد استطعنا إيجاد مكان آخر في المخيم، ولم نتوقع أن تغمرنا المياه بهذا الشكل".
شتاء قاسٍ على شاطئ البحر
تتفاقم مأساة النازحين على شاطئ البحر وفي منطقة مواصي خان يونس بفعل المناخ الصحراوي القاسي، الذي يزيد من برودة الشتاء، ما أدى إلى اقتلاع آلاف الخيام وغرقها بالمياه، مخلفًا أوضاعًا إنسانية كارثية.
وفي مخيم القادسية، عاش ياسر أبو محسن وعائلته ليلة عصيبة بعد غرق وتكسير خيمتهم، وقال: "منذ ساعات الفجر لم أغمض عيني بعدما سقطت الخيمة على رؤوسنا، كما حدث مع كثير من الجيران، فكنا نحفر قنوات أمام الخيام باستمرار لمحاولة تصريف المياه".
ووصف المنخفض الحالي بأنه الأصعب مقارنة بالماضي، مضيفًا: "بعد سقوط الخيمة، نقلت الأبناء إلى خيمة الجيران، وبقوا عندهم حتى الآن بانتظار انحسار المنخفض".
وعلى شاطئ البحر، وصف وليد ديب الوضع بالأسوأ: "عشنا ليلة عصيبة جدًا، اقتلعت الرياح خيام الجيران وغمرت مياه البحر خيامنا. قوة الرياح تجعلنا قلقين طوال الليل، نحن في صراع ومعاناة شديدة لا يشعر بها أحد".
ضحايا المنخفضات
تعاملت طواقم الدفاع المدني الفلسطيني منذ بداية المنخفض مع 7 حالات وفاة نتيجة انهيارات جزئية لمبانٍ آيلة للسقوط، من بينهم طفل توفي بسبب البرد القارس، ما رفع حصيلة ضحايا الشتاء إلى 31 شهيدًا، وفق الرائد محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني.
وأكد بصل أن الوضع الإنساني بالغ الخطورة، وأن المباني المتضررة بفعل القصف والدمار لم تعد ملاذًا آمنًا للسكان، مع استمرار هطول الأمطار وشدة الرياح، وتدهور أوضاع الإيواء المؤقت.
وأضاف أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولياته القانونية والإنسانية، مطالبًا بتحرك عاجل لتوفير الحماية للمدنيين، ودعم جهود الإغاثة، وتأمين مستلزمات الإيواء الآمن، تفاديًا لسقوط مزيد من الضحايا.