تدخل مدينة القدس المحتلة مرحلة جديدة من الاستيطان، لم تعد فيها المخططات تُدار خلف الأبواب المغلقة، بل تُدفع بخطوات رسمية ومتسارعة نحو التنفيذ، في سياق مشروع إسرائيلي يستهدف حسم مستقبل المدينة.
فالمشاريع المطروحة في حي الشيخ جراح وأراضي مطار القدس القديم، وفق خبراء، لا تنفصل عن رؤية سياسية–أمنية أشمل تسعى إلى فرض وقائع ديموغرافية وجغرافية تمنع أي تواصل فلسطيني، وتغلق الباب أمام قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي السياق، قالت حركة "السلام الآن" الحقوقية الإسرائيلية إن سلطات الاحتلال بحثت الموافقة على مخططين استيطانيين جديدين في شرقي مدينة القدس المحتلة، في خطوة وصفتها بأنها تشكل تهديدًا مباشرًا لفرص التوصل إلى تسوية سياسية.
وأوضحت في بيان، أن المخطط الأول، المعروف باسم "مخطط عطروت"، يهدف إلى إقامة مستوطنة تضم نحو 9 آلاف وحدة سكنية على أراضٍ تقع بين الحيين الفلسطينيين كفر عقب وبيت حنينا شمالي القدس، جنوب مدينة رام الله. وبينت الحركة أن هذا المشروع يستهدف قطع التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية، معتبرة أن تنفيذه سيوجه ضربة قاسية لإمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
أما المخطط الثاني، فيحمل اسم "نحلات شمعون" في حي الشيخ جراح شمالي البلدة القديمة في القدس، ويقضي بهدم حي أم هارون الفلسطيني وإقامة حي إسرائيلي مكانه يضم 316 وحدة استيطانية. وحذرت الحركة من أن هذا المشروع سيلحق ضررًا بالغًا بالنسيج الاجتماعي الفلسطيني في القدس، ويعمّق سياسات التهجير القسري، ويزيد من تعقيد أي مساعٍ سياسية مستقبلية.
استراتيجية إسرائيلية
الخبير في شؤون الاستيطان، خليل التفكجي، يرى أن المشروعين الاستيطانيين في حي الشيخ جراح وأراضي مطار القدس القديم لم يعودا مجرد أفكار نظرية، بل دخلا فعليًا المسار التنفيذي بعد عرضهما داخل بلدية الاحتلال في القدس، في إطار استراتيجية إسرائيلية أمنية–سياسية تستهدف تحصين القدس وفرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد يمنع أي تواصل فلسطيني أو إمكانية لقيام دولة فلسطينية.
ويوضح التفكجي لـ "فلسطين أون لاين"، أن عرض المخطط داخل بلدية الاحتلال يعني بدء دراسته تمهيدًا للمصادقة عليه، ثم الإعلان عنه رسميًا وفتح باب الاعتراضات لمدة ستين يومًا. وبعد المصادقة النهائية، يُمنح المشروع فترة إضافية قصيرة للاعتراض قبل أن يُطرح في مرحلة المناقصات، وهي المرحلة الحاسمة التي تعني، سياسيًا وعمليًا، بدء البناء على الأرض. ويؤكد أن المناقصة لا تُطرح إلا بقرار سياسي واضح، سواء في القدس أو الضفة الغربية.
ويرى أن خطورة هذه المخططات لا تكمن فقط في عدد الوحدات السكنية، بل في السياق الاستراتيجي الذي تندرج ضمنه. فمنذ احتلال القدس عام 1967 وضم شطريها الشرقي والغربي، بدأت (إسرائيل) التعامل مع المدينة باعتبارها "عاصمة الدولة"، وسقوط العاصمة – وفق المفهوم الأمني الإسرائيلي – يعني سقوط الدولة نفسها. لذلك، انطلقت عملية تحصين شاملة للقدس عبر طوق من المستعمرات داخل المدينة وحولها، وصولًا إلى ما يُعرف بمشروع "القدس الكبرى".
ويستعيد التفكجي قرار لجنة "غفني–أرنون" التي شُكّلت عام 1973 في عهد غولدا مائير، والتي أوصت بضرورة الحفاظ على أغلبية يهودية في القدس. ففي ذلك الوقت، كان الفلسطينيون يشكلون نحو 25% من سكان المدينة، بينما وصلت نسبتهم اليوم إلى قرابة 40%. ومع استمرار النمو السكاني الفلسطيني، تشير التقديرات إلى أنهم قد يشكلون الأغلبية بحلول عام 2030، ما دفع (إسرائيل) – وفق التفكجي – إلى تسريع سياسات الجدار والاستيطان وإعادة هندسة المدينة ديموغرافيًا.
كيانات مغلقة
ويؤكد أن الاستيطان لا يُقام بحثًا عن حلول سكنية، بل يُزرع في قلب التجمعات الفلسطينية وعلى العقد المرورية والمناطق الجبلية، بهدف فصل هذه التجمعات عن بعضها البعض والتحكم في حركة الفلسطينيين. ويشرح أن هذه السياسة تُطبق في القدس كما في الضفة الغربية والأغوار، حيث تُستخدم الذرائع الأمنية لتكريس أهداف اقتصادية وسياسية بعيدة المدى.
وفي هذا السياق، يشير التفكجي إلى ما يسمى "مخطط النجوم" الذي بدأ تطبيقه رئيس وزراء الاحتلال أنذال أرئيل شارون مطلع التسعينيات، ويقوم على إزالة "الخط الأخضر" عمليًا عبر ربط المستعمرات داخل أراضي 48 بتلك المقامة في الضفة الغربية، بما يمنع قيام دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي. ومع الوقت، يؤدي عزل المدن والقرى الفلسطينية وإحاطتها بالمستعمرات والطرق الالتفافية إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني وتحويله إلى كيانات منغلقة على نفسها، وهو ما يتقاطع – بحسب التفكجي – مع أطروحات "دولة العشائر" التي طُرحت في الفكر الإسرائيلي منذ سنوات.
عن مشروع الاستيطان في أراضي مطار القدس، يوضح التفكجي أن المطار أُنشئ في عهد الانتداب البريطاني عام 1924، وطُور لاحقًا في الفترة الأردنية ليصبح مطارًا دوليًا، قبل أن تتوقف خطط توسعه بعد حرب 1967. ورغم محاولات (إسرائيل) تحويله إلى مطار دولي، إلا أن اعتراضات قانونية حالت دون ذلك، ليُحول لاحقًا إلى مطار محلي مغلق.
اليوم، تعود هذه المنطقة إلى الواجهة ضمن مشروع استيطاني ضخم يشمل إقامة نحو 9000 وحدة سكنية، أي ما يعادل مدينة جديدة يقطنها ما بين 30 و40 ألف مستوطن. ويربط التفكجي هذا المشروع مباشرة بمخطط "القدس الكبرى"، حيث يجري إنشاء أنفاق وشبكات ربط حضري لدمج المستعمرة الجديدة بالقدس، مقابل قطع التواصل الجغرافي الكامل بين التجمعات الفلسطينية المحيطة.
ويختتم التفكجي بالتأكيد على أن هذه المشاريع ستُحدث تغييرًا ديموغرافيًا جذريًا، يرفع نسبة اليهود في المنطقة إلى نحو 88% مقابل 12% فقط من العرب، ما يعني – عمليًا – السيطرة الكاملة على الحيز الجغرافي، وتحويل الاستيطان من أداة بناء إلى سلاح استراتيجي لإعادة تشكيل القدس ومستقبلها.