قائمة الموقع

شهادة قاصر من غزَّة عن فظائع التَّعذيب بسجون الاحتلال

2026-01-13T15:53:00+02:00
صورة تعبيرية

وثّق المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى واحدةً من أكثر الشهادات قسوةً ودمويةً لمعتقلٍ قاصرٍ استُشهد والده، وتعرّض لتعذيبٍ جسديٍّ ونفسيٍّ، وكان شاهدًا على قتل أسرى آخرين بجواره.

وبحسب المركز الحقوقي، تصدر هذه الشهادة ضمن سلسلة التوثيقات التي ينشرها المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى، في إطار جهوده المستمرة لرصد وتوثيق الانتهاكات الجسيمة التي يتعرّض لها الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون في سجون ومراكز احتجاز الاحتلال، ولا سيما الأطفال والقاصرين.

كما تأتي هذه الشهادة في سياق توثيق الجرائم المرتكبة بحق معتقلي قطاع غزة خلال العدوان، وهي مستندة إلى رواية مباشرة أدلى بها الأسير المحرر "بشير" بعد الإفراج عنه، وتُنشر كما وردت حفاظًا على دقتها ومصداقيتها.

ويفيد الأسير المحرر "بشير" في مستهل شهادته قائلًا: “في صباح يوم الأربعاء، السابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2023، كنت نازحًا مع عائلتي في مدرسة أبو حلو الغربية بمخيم البريج، وفجأة اقتحمت قوات الاحتلال المدرسة وحاصرت المكان بالكامل. أُمر الجميع، رجالًا ونساءً وأطفالًا، بالخروج إلى الخارج بعد خلع ملابسهم الخارجية ورفع أيديهم. كان المشهد مرعبًا؛ النساء يبكين ويتشبثن بأزواجهن وأبنائهن، وأمي كانت تمسك بيدي وهي ترتجف خوفًا.”

ويواصل: “في تلك اللحظة لم يكن عمري يتجاوز الثامنة عشرة. همست لأمي: «اتركيني، سأرى ما سيحدث وسأعود». خرجتُ وأنا لا أعرف إلى أين أمضي. وقفتُ أنا وخمسة آخرون أمام الجنود. بعد تفتيشٍ مهين، أُمرتُ بالتقدم. فجأة انقضّ عليّ جندي وضربني ببندقيته على وجهي حتى فقدت الوعي، ثم قيّد يديّ من الخلف وعصب عينيّ، وأُلقي بي داخل ناقلة جنود.”

“بدأت رحلة طويلة وقاسية نحو مكان لا أعرفه، يسمّونه «صوفا». هناك بدأ الجحيم الحقيقي. أُدخلت إلى عالم التحقيق، إلى غرفة أطلقوا عليها اسم «الموسيقى». كانت الموسيقى الصاخبة لا تتوقف، تؤلم الرأس وتمزّق الأعصاب. البرد شديد، ولا طعام ولا ماء ولا حمّام. أي طلب، مهما كان بسيطًا، يُقابل بالضرب أو بإطلاق الكلاب.”

ويواصل: “طلبتُ مرة قضاء الحاجة، فضربني الجندي وأطلق كلبًا عضّ ساقي، ثم سكب الماء البارد على رأسي. كنتُ مقيّد اليدين والقدمين من الخلف طوال الوقت. وعندما جاء دوري للتحقيق، سحبوني على الأرض بقسوة. قدماي الحافيتان مرّتا فوق زجاجٍ مكسور، تمزّقتا وسال الدم. داخل غرفة التحقيق جرّدوني من ملابسي وألبسوني ما يُسمّى «البمبرز»، ثم وضعوا أقطابًا كهربائية على جسدي".

“صعقوني حتى فقدت الوعي، وعندما أفيق يعيدون الصعق من جديد. بعد ساعات طويلة من هذا التعذيب، شعرت أن جسدي لم يعد لي، وكأنني فقدت الإحساس بنفسي.”

ويكمل بشير: “بعد ذلك نُقلتُ إلى معسكرات الجيش، حيث قضيتُ 29 يومًا شعرتُ أنها 29 سنة. البرد والجوع والضرب اليومي كان واقعًا دائمًا. لم يفرّقوا بين صغير وكبير. كنتُ أصرخ لهم: «أنا صغير»، فيردّون عليّ بالشتائم ويزيدون الضرب. عانيتُ من دوار وجفاف شديد، وكانوا يستدعوني لأنني الأصغر سنًا، ويُبقونني مقيّدًا أمام السياج لساعات طويلة فقط للتسلية.”

“في 24 يناير/كانون الثاني 2024 نُقلتُ مع من هم في سني إلى ما سُمّي سجن مجدو للقاصرين. حتى الطريق إلى السجن كان تعذيبًا آخر؛ داخل الحافلة أُغلقت الستائر وانهالوا علينا ضربًا وصعقًا بالكهرباء، حتى سال الدم من أنفي وأُصبت بشلل مؤقت. وصلتُ إلى السجن وأنا بالكاد أستطيع الوقوف.”

“رغم أنه سجن «للقاصرين»، إلا أن الاستقبال كان ضربًا عنيفًا يسمّونه «التشريفة». وُضعنا في أقفاص ضيقة، ثم دخل خمسة جنود علينا ونحن مقيّدون، وضربونا على المفاصل والركب لمدة نصف ساعة. كانوا يُجبروننا، نحن الأطفال، على تقليد أصوات الحيوانات لإذلالنا.”

ويذكر بشير: “في 8 أبريل/نيسان 2024، وبعد أن بلغتُ الثامنة عشرة رسميًا، نُقلتُ وحدي إلى سجن النقب، الذي يسمّيه الناس «مسلخ الغزّاوية». الاستقبال كان حفلة ضرب جديدة. داخل السجن لم تكن هناك رعاية صحية، ولا ملابس مناسبة، ولا أبسط مقومات الحياة. في قسم 19أ لم يكن هناك حمّام، فكنا نقضي حاجتنا في أكياس نايلون وعلب حمص.”

وعن أكثر اللحظات مأساوية يقول بشير: “شهدتُ وفاة أصدقاء لي بسبب المرض والإهمال الطبي المتعمّد. حُرمنا من زيارة الأهل، وعانينا برد الشتاء القارس بملابس صيفية خفيفة. وقبل خروجنا بثلاثة أيام، في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025، شنّت إدارة السجن هجومًا عنيفًا علينا؛ أطلقوا الغاز والخرطوش وقنابل الصوت، وأطلقوا الكلاب، ورشّونا بالفلفل الحار. أُصيب كثيرون، وتركوا جراحنا دون علاج.”

“في 10 أكتوبر نودي عليّ للخروج ضمن صفقة التبادل، وحتى اللحظة الأخيرة لم يتوقف الضرب والشتم. وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول 2025 خرجتُ من الأسر. كان شعور الحرية عظيمًا، لكنه كان ممزوجًا بالخوف على عائلتي. في الطريق التقيتُ بأخي الأكبر أنس، فرحتُ كثيرًا، لكنه قال لي بهدوء: «أبي استشهد». انهرتُ وبكيت. وعندما وصلتُ إلى البيت استقبلني الناس بفرحة كبيرة، لكنها كانت فرحة ناقصة؛ غاب عنها وجه أبي، وبقي ظلّ الفقد والحرب حاضرًا في كل شيء.”

هذا ويُذكر أن عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين بلغ حتى كانون الأول/ديسمبر الجاري نحو 9300 أسير ومعتقل، منهم 1300 أسير محكوم، ومن بينهم 51 أسيرة، و350 معتقلًا طفلًا، و3200 معتقل إداري، و1250 معتقلًا تحت قانون “المقاتل غير الشرعي”، وجميعهم من قطاع غزة المعتقلين بعد السابع من أكتوبر.

اخبار ذات صلة