يأتي تأخّر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الإعلان الرسمي عن تشكيل ما يُعرف بـ«مجلس السلام» الخاص بإدارة شؤون قطاع غزة، في لحظة سياسية بالغة التعقيد، تتداخل فيها اعتبارات الميدان مع حسابات إقليمية وضغوط السياسة الداخلية الإسرائيلية، ولا سيما فيما يتعلق بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
هذا التأجيل، الذي يتجاوز البعد الإجرائي، يعكس مأزقًا سياسيًا تواجهه الإدارة الأمريكية في الانتقال من إدارة الحرب إلى محاولة رسم معالم ما يُسمّى «اليوم التالي» في قطاع غزة.
ويرى الكاتب السياسي معين نعيم، لصحيفة "فلسطين"، أن إرجاء الإعلان عن المجلس يعكس حجم التعقيدات السياسية واللوجستية المحيطة بمستقبل القطاع، مشيرًا إلى أن واشنطن تسعى لتوفير غطاء دبلوماسي وتنظيمي أكثر تماسكًا قبل الإقدام على خطوة قد تتحول إلى عبء سياسي وأمني إذا أُعلنت دون توافقات كافية. فالإدارة الأمريكية، بحسب نعيم، تدرك أن أي جسم إداري يُفرض على غزة في ظل استمرار الاحتلال والواقع الميداني المتفجر سيكون عرضة للفشل منذ لحظاته الأولى.
ويضع هذا التأجيل في إطار سعي إدارة ترمب إلى بلورة رؤية متكاملة للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهي مرحلة لا تقتصر على الجوانب الإنسانية أو الإدارية فحسب، بل تمس جوهر السيطرة والسيادة على القطاع. وتشمل هذه المرحلة، وفق الطروحات المتداولة، ثلاثة ملفات حساسة: تشكيل لجنة من التكنوقراط لإدارة شؤون غزة، نشر قوات استقرار دولية، وملف نزع السلاح، الذي يُعد الأكثر تعقيدًا وإثارة للجدل.
في المقابل، يشير الكاتب المختص بالشأن الأمريكي ماهر عبد القادر إلى أن أحد الأسباب الرئيسة وراء هذا التأخير يتمثل في القلق المتزايد من نية رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المماطلة في تطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق. ويوضح عبد القادر أن نتنياهو يسعى إلى الإبقاء على احتلال أكثر من نصف مساحة القطاع وعدم الانسحاب منه، مستفيدًا من الواقع السياسي الداخلي في إسرائيل، خاصة مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر المقبل، حيث أصبح استمرار الحرب ورقة سياسية أساسية لبقائه.
ويؤكد عبد القادر أن نتنياهو يتخذ من ملف نزع سلاح المقاومة ذريعة رئيسية لتعطيل المرحلة الثانية، رغم أن هذا الملف لم يُحسم سياسيًا أو ميدانيًا، ويُستخدم كأداة ضغط لإعادة فرض شروط جديدة تُفرغ الاتفاق من مضمونه. هذا التعنّت الإسرائيلي يضع الإدارة الأمريكية في موقف حرج، إذ تجد نفسها عاجزة عن إلزام حكومة يمينية متطرفة ترى في استمرار الصراع مصلحة سياسية مباشرة.
ولا يقتصر التعقيد على الموقف الإسرائيلي فحسب، إذ تبرز قضية «قوة الاستقرار الدولية» كعقبة إضافية أمام إعلان مجلس السلام. فخطة ترمب تنص على تشكيل هذه القوة، لكن من دون تحديد واضح لمهامها وصلاحياتها، ما يفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة. ففي حين تطالب إسرائيل بأن تتولى هذه القوات مهمة نزع سلاح حركة حماس، تعترض في الوقت ذاته على مشاركة دول بعينها، وعلى رأسها تركيا، وهو ما يعكس رغبة الاحتلال في التحكم بطبيعة أي وجود دولي في القطاع.
وفي هذا السياق، نقل عبد القادر ما أوردته صحيفة معاريف العبرية من أن نتنياهو بعث برسالة واضحة خلال لقاءاته الأخيرة مفادها أن إسرائيل تعارض وجود جنود أتراك في قطاع غزة. وبحسب الصحيفة، يصر مسؤولون في حكومة الاحتلال على حق النقض في ما يتعلق بهوية الدول المشاركة في قوة الاستقرار الدولية، مع رفض خاص لأي مشاركة تركية، بسبب علاقات أنقرة مع حركة حماس وتصاعد التوتر بينها وبين إسرائيل.
إلى جانب ذلك، يلفت عبد القادر إلى بُعد آخر لا يقل أهمية في تفسير التأخير الأمريكي، يتمثل في انشغال واشنطن بملفات دولية ضاغطة، أبرزها الأزمة مع فنزويلا، موضحًا أن الإدارة الأمريكية تولي حاليًا الأولوية لملف فنزويلا سواء على صعيد الطاقة أو العقوبات أو التوازنات الإقليمية في أمريكا اللاتينية، ما انعكس على مستوى التركيز السياسي والدبلوماسي لملف غزة. ويرى أن هذا التداخل في الأولويات يدفع البيت الأبيض إلى التريث وتأجيل اتخاذ قرارات حساسة تتطلب استنزافًا دبلوماسيًا واسعًا في أكثر من ساحة في الوقت ذاته.
ومن زاوية أوسع، تشير المعطيات الراهنة في 2025 إلى أن محاولة ترمب الانتقال إلى المرحلة الثانية تصطدم بحقائق ميدانية صلبة، أبرزها تكريس الاحتلال لسيطرته على أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة، وتحويل مناطق واسعة إلى أحزمة عازلة وثكنات عسكرية. هذا الواقع، وفق قراءة تحليلية، يقوّض عمليًا فكرة الانسحاب التدريجي التي تقوم عليها المرحلة الثانية، ويحوّل القطاع إلى كانتونات أمنية محاصرة.
كما أن هذا الوجود العسكري الدائم يُفرغ أي مشروع لإعادة الإعمار من مضمونه، ويجعل الحديث عن لجنة تكنوقراط فلسطينية مستقلة أقرب إلى الطرح النظري منه إلى إمكانية واقعية، في ظل هيمنة أمنية إسرائيلية مباشرة على الأرض.
ويشير معين نعيم إلى أن التأجيل يمنح أيضًا الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها مصر، مساحة إضافية للحراك السياسي، بما في ذلك تقديم أسماء بديلة تم التشاور بشأنها مع جهات فلسطينية متعددة، في محاولة لتجاوز حالة التعثر أو تقليل كلفة فرض صيغة غير ناضجة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة تأخر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في إعلان تشكيل «مجلس السلام» بمعزل عن شبكة معقدة من العوامل، تتراوح بين تعنّت حكومة الاحتلال، وتعقيدات المرحلة الثانية، وتكريس الوقائع الميدانية، وتشتت الأولويات الأمريكية. وبينما تسعى واشنطن إلى تسويق مبادرتها بوصفها مدخلاً للحل، تبدو هذه المبادرة حتى اللحظة أقرب إلى محاولة لإدارة الأزمة وتدويرها، لا إلى كسرها أو إنهائها فعليًا.