على الرغم من مرور ثلاثة أشهر على اتفاق وقف الإبادة الجماعية على غزة، فإن هيئات أممية وحقوقية تفضح استمرار الإبادة الإسرائيلية عبر عمليات القتل والدمار والتهجير والسيطرة الإسرائيلية الشاملة على حياة أزيد عن 2.4 مليون إنسان في القطاع الذي يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العصر الحديث.
وكشفت هيئات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والحقوقية، تنصل (إسرائيل) من الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين أول 2025 برعاية (مصر، قطر، تركيا) وإشراف الإدارة الأمريكية، وسط مطالبات للوسطاء بإلزام دولة الاحتلال بجميع بنود الاتفاق وملحقاته.
أبرز تلك التقارير الصادرة في 19 ديسمبر/ كانون أول الماضي حول إعلان الأمم المتحدة أن "المجاعة في غزة انتهت.. لكن السواد الأعظم من سكان القطاع ما زالوا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي".
وأفاد "التصنيف المتكامل للأمن الغذائي" بأن الوضع في غزة "ما زال حرجا"، إذ يصنف القطاع بكامله في حالة طوارئ (المرحلة الرابعة من التصنيف) لغاية منتصف أبريل/ نيسان 2026.
وأكد "التصنيف المتكامل" الذي تشارك فيه الأمم المتحدة ومنظماتها، أنه من المرتقب أن يبقى الوضع خطرا مع نحو 1.6 مليون شخص ما زالوا يعانون انعدام الأمن الغذائي بمستوى الأزمة أو أسوأ (المرحلة الثالثة أو أعلى من التصنيف).
كما اعتبر الاتحاد الدولي لـلمنظمات الخيرية التي تركز على تخفيف حدة الفقر في العالم (أوكسفام) أن "المجاعة في غزة ما زالت بمستويات مريعة يمكن تفاديها"، مع الإشارة في تقريره إلى أن (إسرائيل) تسمح بدخول عدد قليل جدا من المساعدات وما زالت تصد طلبات عشرات المنظمات الإنسانية المعترف بها.
وبينما يسمح "البروتوكول الإنساني" للاتفاق بدخول 600 شاحنة مساعدات إنسانية مختلفة يوميا إلى غزة، أبلغت سلطات الاحتلال الأمم المتحدة بعد أربعة أيام من دخول الاتفاق بأنها لن تسمح إلا بدخول 300 شاحنة مساعدات، تمثل نصف العدد المتفق عليه.
ولاحقا، كشفت تقارير منظمات أممية وغير حكومية أن هذه التعهدات لم تُترجم بالكامل على أرض الواقع، وأفادت بأن متوسط عدد الشاحنات التي كانت تدخل غزة يوميا تراوح بين 200 و300 شاحنة.
ووثقت خلال الأسبوع الأول من ديسمبر الماضي تراجع هذا الرقم إلى معدل وسطي لا يتجاوز 140 شاحنة يوميا ضمن قوافل الأمم المتحدة.
وقالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" فيليب لازاريني إنّ مرور 3 أشهر على وقف إطلاق النار في غزة، لم يعكس تحسنا كافيا على تلبية احتياجات السكان.
وأضافت "أونروا" أن جيش الاحتلال ينتشر في أكثر من نصف القطاع متجاوزا "الخط الأصفر" الذي لا يزال غير محدد بشكل واضح، مشيرة إلى أنه لا يزال الوصول إلى المساعدات بغزة -بما فيها مساعداتها هي- والمرافق والبنى التحتية العامة مقيدا أو محظورا.
وبحسب برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة فإن العائلات في غزة تواجه نقصا حادا في السيولة المالية، ولا تمتلك النقود لشراء احتياجاتها الأساسية حتى في الحالات التي تتوفّر فيها بعض السلع في الأسواق.
وأكد الأغذية العالمي أن الكثير من سكان القطاع غير قادرين على توفير احتياجاتهم الأساسية في ظل الأزمة الخانقة، مشددا على أن استهداف الفلسطينيين ما زال مستمراً في غزة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
مشاكل صحية وإمداديه
وتواجه المنظومة الصحية مشاكل كبيرة، فالمستشفيات لا تعمل بشكل كامل، والأدوية والتجهيزات لا تسد الاحتياجات، فضلا عن النقص في الطواقم الطبية الأساسية بسبب القيود التي يفرضها الاحتلال على معابر القطاع، وفق منظمة الصحة العالمية.
وأفادت بأن 50% من مستشفيات القطاع الـ36 تعمل بشكل جزئي، و25 مستشفى مدمرة بشكل جزئي، و40% من المراكز الصحية تعمل بشكل جزئي، و229 دواء أساسيا غير متوفرة بشكل كامل.
وذكرت أن عملية إعادة تجهيز المستشفيات والمراكز الصحية بالمعدات والأدوية وبالطواقم الصحية لا تزال بطيئة، فالكثير من الخدمات غير متوفرة مما يستوجب إجلاء المرضي طبيا لتلقي الرعاية الصحية في الخارج، وكشفت أن 16 ألف مريض وجريح يحتاجون للإجلاء الطبي لأجل العلاج في الخارج.
ورصدت الصحة العالمية أكثر من 5 آلاف شخص واجهوا عمليات بتر للأطراف إثر تعرضهم لإصابات عدا عن أن نحو 42 ألف شخص يعانون من إصابات غيرت مجرى حياتهم بسبب الإبادة الإسرائيلية، مشيرة إلى أن ربع عدد المصابين أطفال.
ومع تعذّر تقديم الخدمات الصحية على نحو شامل، ونقص إمدادات المياه الصالحة للشرب وسوء شبكات الصرف الصحي وما يترتب عليه من أخطار صحية وبيئية، أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن جميع الأطفال والطفلات البالغ عددهن نحو 320 ألف طفل وطفلة دون سن الخامسة في غزة لا يزالون عرضة لخطر سوء التغذية الحاد، وهو شكل من أشكال الحرمان الغذائي الذي يهدد الحياة، ويتطلب تدخلًا طبيًا عاجلًا.
وأطلق المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، تحذيرا من أن أكثر من 100 ألف طفل إضافة إلى 37 ألف امرأة حامل ومرضع، سيعانون من سوء تغذية حاد بحلول نيسان/أبريل 2026.
وفي تصريح آخر، لفت غيبريسوس إلى أن العديد من الفلسطينيين يموتون بسبب أمراض كان من الممكن علاجها؛ نظرا للقيود الإسرائيلية على تأهيل وترميم المنظومة الصحية ومستلزماتها الدوائية.
وحذّرت "أونروا" من أن الأطفال في غزة ما يزالون يعيشون ظروفا مزرية وسط القيود التي يفرضها الاحتلال على دخول المساعدات الإنسانية.
وقالت إن "الأطفال في غزة ينبغي أن يشعروا بالدفء والتغذية الجيدة والأمان الكافي للتطلع إلى مستقبلهم"، لافتة إلى "حاجتهم الماسة" إلى المساعدات الإنسانية العالقة خارج القطاع بسبب قيود الاحتلال.
ودفعت ظروف فصل الشتاء وغرق مياه الأمطار لخيام النازحين، بالصليب الأحمر للقول إن الأوضاع الإنسانية المتدهورة أصلا في غزة شهدت تفاقمًا إضافيا مع حلول فصل الشتاء وسط استمرار النقص الحاد في الإمدادات الأساسية.
ورغم تلك المعطيات الكارثية، لم تتوقف (إسرائيل) على ذلك فحسب بل تدفع نحو إغلاق 37 منظمة غير حكومية دولية تعمل في الأراضي الفلسطينية، في وقت حذر الاتحاد الأوربي من أن هذا الأمر سيحول دون وصول "مساعدات حيوية" إلى سكان القطاع المدمر.
ووفق تقدير ائتلاف من 53 منظمة إغاثة، فإن المنظمات التي ستمنع من العمل تؤمّن أكثر من نصف المساعدات الغذائية، وتدير أو تدعم 60% من المستشفيات المؤقتة، وتقدم معظم الرعاية للأطفال المصابين بسوء تغذية حاد.
وفي هذا السياق، خلصت منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية إلى أن الإبادة الجماعية في غزة لم تنته بعد، رغم مرور 3 شهور على اتفاق وقف إطلاق النار.
وتوصلت ورقة تقدير موقف نشرتها "بتسيلم" إلى أن القتل والقصف وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على معظم مساحة غزة ما زال متواصلًا، بالتوازي مع تدمير واسع للبنى التحتية وعرقلة العمل الإنساني، الأمر الذي فاقم أزمات النزوح والجوع وسوء التغذية، لا سيما بين الأطفال والنساء.
وأكدت أن "ظروف الحياة لا تزال مهددة في ظل استمرار تجاهل المجتمع الدولي لواقع الإبادة والدمار القائم خلف مسمى وقف إطلاق النار".