قائمة الموقع

رحلوا معًا وبقي الوجع… حكاية "الثلاثي المرح" في غزة

2026-01-13T15:13:00+02:00
محمد الدهشان "أبو رفيق" (47 عامًا) وزوجته يتحدثان لصحيفة فلسطين
فلسطين أون لاين

خلف صمت الجدران التي اعتادت صخب التشجيع وضحكات “اللَّمّة” العائلية، يجلس اليوم محمد الدهشان "أبو رفيق" (47 عامًا) وزوجته، يقلبان صفحات ذاكرة لم يتبقَّ منها سوى أطياف ثلاثة سكنوا الروح ورحلوا معًا، في حين يراقبان من تبقّى من أبنائهما بقلوبٍ تجمع بين وجع الانكسار وبصيص الأمل.

لم يكن بقاء رفيق ومحمود في المنزل محض صدفة، بل تجسيدًا لمعاني برّ الوالدين؛ فعندما رفضت الجدة الحاجة "أم عماد" مغادرة بيتها، تطوّع الشابان للبقاء إلى جانبها، يخدمانها ويؤنسانها، ليكون هذا الوفاء آخر عهدٍ قطعاه قبل الرحيل.

أشقاء الروح وبركة الدار

بصوتٍ يغلّفه الحنين والرضا، تتحدث "أم رفيق" لصحيفة فلسطين عن علاقتها الخاصة بأبنائها، قائلة: "أولادي كانوا كل ما هو جميل في حياتي، الأقرب إلى روحي. كنت أشاركهم همومهم وأفراحهم، وأكون الداعم الأول لأحلامهم. رفيق كان الصديق والرفيق، ومحمود كان الحبيب والسند رغم صغر سنه. أسأل الله أن يجمعني بهم في جنان الخلد".

وعن الجدة الراحلة، تضيف بحرقة: "كانت كالأم الحانية، نستظل بظلها ونشعر بالأمان رغم الخطر. دعواتها كانت تهوّن علينا كل الصعاب".

ويستذكر "أبو رفيق" والدته بغصّة ممزوجة بالصبر، قائلًا: "لم تكن أمي مجرد سيدة مسنّة، كانت بركة البيت وعموده. رفضت النزوح وقالت: هنا كبرت وهنا أموت. كانت علاقتها برفيق ومحمود أعمق من كونها جدة بأحفادها، ورحلت ساجدة بين يدي الله، وكأنها أبت أن تفارق الدنيا إلا في أسمى حالات القرب".

وسط هذا الركام، لم يتبقَّ لـ"أبو رفيق" وزوجته سوى الابنة جنان، والابن سعيد، الذي كان من المفترض أن تكتمل فرحة البيت بزفافه بعد أيام قليلة. إلا أن الفرحة باتت يتيمة؛ فسعيد، الذي انتظر إخوته ليزفّوه، يجد نفسه اليوم يتقدّم نحو حياته الجديدة مثقلًا بفقد "سنده" و"رفيق دربه"، في عرس صامت يغيب عنه "الثلاثي المرح" الذين ملأوا البيت يومًا صخبًا وحياة.

لم تكن الصواريخ تستهدف الحجارة وحدها، بل اغتالت الأحلام أيضًا. فـرفيق (24 عامًا)، طالب هندسة البرمجيات في الجامعة الإسلامية، كان يفصله عن التخرج شهر واحد فقط، غير أن الموت كان أسرع من رداء التخرج، ليرحل المهندس والكاتب المبدع، تاركًا أكواده وسيناريوهاته معلّقة بين الأنقاض.

أما محمود (18 عامًا)، فاكهة البيت وروحه كما تصفه والدته، فكان يخوض غمار الثانوية العامة (التوجيهي)، يجتهد بانتظار فرحة النجاح، ليرحل تاركًا خلفه مقعدًا فارغًا وكتبًا لن تُفتح مجددًا.

العناق الأخير

يروي "أبو رفيق" لحظات الفاجعة لصحيفة "فلسطين": "ذهبت للاطمئنان عليهم. كانت أمي تصلّي، ومحمود نائمًا، فآثرت ألا أقطع خلوتهما. أما رفيق فكان أمام البيت، اقتربت منه واحتضنته طويلًا وودّعته بحرارة، ولم أكن أعلم أنه العناق الأخير. وما إن ابتعدت مسافة مئتي متر، حتى غدرت طائرات الاحتلال بالمكان وحوّلت الدار إلى ركام".

ويصف ركضه المجنون نحو الدار قائلًا: "وقفت أحاول إقناع نفسي: هل هذه دارنا؟ صرخت بأعلى صوتي: يا رفيق، يا محمود، يا يمّا.. ردّوا عليّ، مشان الله ردّوا! لكن لم يجب أحد. تراجعت مجبرًا تحت وابل القصف بانتظار الدفاع المدني، لكن الموت كان أسبق".

"لم يرحلوا وحدهم، لقد أخذوا روحي معهم"، بهذه الكلمات يختتم الوالدان حكايتهما. فبينما يواسيان جنان ويضمدان جراح سعيد لعرس بلا إخوة، يبقى الوجع في غزة حكاية مفتوحة لا تنتهي فصولها.

 

اخبار ذات صلة