منذ أكثر من عام، تعيش عائلة الشاب حسين عليوة على وقع انتظارٍ ثقيل، انتظار لا يحمل سوى القلق والأسئلة المفتوحة.
وخلال اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي شمال قطاع غزة أواخر عام 2024، اختفى حسين، البالغ من العمر 25 عامًا، دون أي معلومة رسمية عن مصيره، ليُضاف اسمه إلى قائمة طويلة من المفقودين الذين حُرم ذووهم من أبسط حقوقهم الإنسانية: معرفة أين أبناؤهم، وهل ما زالوا على قيد الحياة؟
طوال أشهر، عاشت الأسرة بين الخوف واليأس، وظنّت في كثير من الأحيان أن حسين قد أُعدم ميدانيًا، كما حدث مع عشرات الشبان خلال الاجتياحات. غير أن بصيص أمل عاد إليهم لاحقًا، حين أبلغهم أحد الأسرى المحررين، في الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أنه شاهد حسين داخل أحد السجون الإسرائيلية، مؤكدًا أنه حي معتقل.
ورغم قسوة الخبر، فإنه أنقذ العائلة من كابوس الفقد النهائي، وفتح بابًا جديدًا من الانتظار المؤلم.
لم تكن عائلة عليوة وحدها في هذا القلق؛ فمئات العائلات في قطاع غزة تعيش المصير ذاته، بعد أن لم ترد أسماء أبنائها ضمن القوائم التي كان من المفترض أن تسلّمها سلطات الاحتلال عقب اتفاق وقف إطلاق النار.
ورغم النص الصريح في الاتفاق على الكشف عن أسماء المعتقلين، واصل الاحتلال المماطلة والتلاعب، تاركًا عائلات بأكملها في ظلام الجهل والقلق.
معتقلو غزة
تتابع شيرين بعلوشة، والدة حسين، البالغة من العمر 60 عامًا، أخبار الأسرى على مدار الساعة، وتقول لمراسل صحيفة «فلسطين» بصوت أنهكه الانتظار: «أبحث عن أي خبر، أي كلمة تطمئن قلبي».
وتشير إلى أنها فقدت أثر ابنها عند حاجز «الإدارة المدنية» الذي أقامته قوات الاحتلال قرب شارع صلاح الدين شمال القطاع، خلال النزوح القسري نهاية عام 2024.
وتستعيد الأم تفاصيل ذلك اليوم القاسي: كيف أُجبرت العائلة على النزوح تحت القصف، وكيف فصل الجنود الرجال عن النساء لساعات طويلة في البرد، قبل السماح للنساء بالمرور.
وتلفت إلى أن زوجها وأبناءها الخمسة اعتُقلوا وخضعوا لتحقيقات، ثم أُفرج عنهم لاحقًا، لكن حسين لم يعد معهم. ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره، ولم تتلقَّ العائلة أي إخطار رسمي باعتقاله أو مكان احتجازه.
ولم تترك العائلة بابًا إلا وطرقته؛ فتوجهت إلى مؤسسات دولية ومحلية، وتواصلت مع جهات حقوقية داخل غزة والضفة الغربية، إلا أن جميع المحاولات اصطدمت برفض الاحتلال تزويد أي جهة بمعلومات عن معتقلي غزة، واعتبار الملف «سريًا».
هذا الإخفاء القسري حوّل حياة العائلة إلى معاناة يومية، تتجدد مع كل خبر عن استشهاد أسرى داخل السجون.
وتقول الأم بقلق متزايد إنها تخشى أن يكون ابنها ضحية جديدة، لا سيما مع ارتفاع عدد الأسرى الشهداء منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
وتشير معطيات حقوقية إلى استشهاد 86 أسيرًا فلسطينيًا داخل السجون منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم 32 خلال العام الماضي فقط، فيما لا يزال العشرات من معتقلي غزة رهن الاختفاء القسري، إضافة إلى احتجاز الاحتلال جثامين 94 معتقلًا.
وبحسب تقارير حقوقية، يعتقل الاحتلال أكثر من 9,300 أسير فلسطيني، بينهم أطفال ونساء، يعانون التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، في ظل منع الزيارات وغياب الرقابة الدولية.
كسر الصمت
إلى جوار والدته، يقف يحيى، شقيق حسين، غاضبًا ومثقلًا بالعجز، ويقول لمراسلنا: «لم يكتفِ الاحتلال بتدمير منزلنا وتهجيرنا، بل سرق شقيقي وأخفاه دون أي معلومة».
ويطالب الوسطاء الدوليين الذين رعوا اتفاق وقف إطلاق النار بتحمل مسؤولياتهم، والضغط للإفراج عن الأسرى، أو على الأقل الكشف عن مصيرهم.
كما تطالب العائلات المنكوبة المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية بكسر صمتها، وإيلاء قضية المفقودين الاهتمام الذي تستحقه، باعتبارها جريمة اختفاء قسري مكتملة الأركان، وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
فمعرفة المصير ليست مطلبًا سياسيًا، بل حق إنساني أساسي، لا ينبغي أن يبقى رهينة الاحتلال والصمت الدولي.
وفي قطاع غزة، لا ينتهي الفقد عند القتل، بل يمتد في الانتظار، في سؤالٍ بلا إجابة، وفي أمٍّ لا تنام، تنتظر عودة ابنها، أو حتى خبرًا يؤكد مصيره.