في ليالي الشتاء الثقيلة على قطاع غزة، حين تعصف الرياح وتشتدّ الأمطار، لا يكون المنخفض الجوي مجرد حالة طقس عابرة، بل يتحول إلى امتحان قاسٍ للبقاء، خصوصاً لأولئك الذين فقدوا بيوتهم ولم يبقَ لهم سوى خيامٍ مهترئة على أطراف مخيمات الإيواء.
هنا، لا يُقاس البرد بدرجات الحرارة، بل بكمية الخوف التي تتسلل مع كل قطرة مطر، وبحجم العجز أمام خيمةٍ لا تصمد، وأطفالٍ لا يملكون ما يقيهم قسوة الشتاء.
في قطاع غزة حيث دمّرت حرب الإبادة البنية التحتية، وحاصرت الناس بين الفقد والنزوح والفقر، بات فصل الشتاء فصلاً إضافياً من فصول المعاناة الإنسانية. المنخفضات الجوية التي تضرب القطاع تكشف هشاشة الواقع المعيشي لآلاف العائلات النازحة، إذ تتحول الشوارع إلى بركٍ من المياه الملوثة، وتطفح شبكات الصرف الصحي، وتغرق الخيام بالمطر، في ظل غياب أبسط مقومات الحماية، وانعدام البدائل الآمنة للسكن.
ومع كل منخفض جديد، تتجدد المخاوف من الغرق، والأمراض، وفقدان ما تبقى من مقتنيات بسيطة.
وسط هذا المشهد القاتم، تقف عائلة مهند البلعاوي شاهداً حيّاً على المعاناة المركبة التي يعيشها النازحون، معاناة لا تقتصر على فقدان البيت أو ضيق العيش، بل تمتد لتشمل الإعاقة، والعجز، وتراكم الأعباء فوق أكتافٍ أنهكها النزوح المتكرر.
مهند البالغ من العمر 42 عاماً، أبٌ لأسرةٍ مكوّنة من ستة أفراد، لم يعد يملك من الدنيا سوى خيمةٍ نُصبت على عجل في مخيمٍ للإيواء بحي الشيخ رضوان، بعد أن سُوّيت شقته السكنية بالأرض في الأسبوع الأول من الحرب.
قبل الحرب، كان مهند يعيش مع أسرته في شقة داخل عمارة سكنية في حي الشيخ رضوان. لم يكن يتخيل أن تتحول حياته إلى سلسلةٍ متواصلة من النزوح والترحال. بعد قصف البرج الذي يضم شقته، اضطر للنزوح جنوباً إلى رفح، ثم إلى خانيونس، ليعود إلى غزة مع دخول الهدنة في كانون الثاني/يناير 2024، قبل أن يُجبر مرة أخرى على العودة إلى خانيونس في أيلول/سبتمبر. تنقلٌ قاسٍ، لا تحمله الطرقات وحدها، بل تحمله أجسادٌ أنهكها الفقد، وأرواحٌ أرهقها الانتظار.
تزداد مأساة هذه العائلة عمقاً حين نعلم أن مهند كفيف، وكذلك ابنه البكر حامد (17 عاماً) الذي يدرس التوجيهي، وابنته الكبرى أمل. ثلاثة مكفوفين في خيمةٍ واحدة، في بيئةٍ تفتقر لأبسط مقومات الحياة الآمنة.
يقول مهند لصحيفة "فلسطين": "كل شيء صعب… نصب الخيمة، المشي في الشوارع المكسرة، مياه الصرف الصحي التي تحيط بنا، حتى الوصول إلى التكية أو تعبئة المياه يحتاج لمن يعيننا".
في كثير من الأحيان، تتولى ابنته المبصرة – وهي صغيرة في السن – مهمة الإمساك بيده وقيادته إلى نقاط توزيع الطعام والمياه، في مشهدٍ يلخص انقلاب الأدوار وقسوة الواقع.
لم تقتصر المعاناة على النزوح وفقدان المسكن، بل طالت الجوع وسوء التغذية. خلال فترات المجاعة التي ضربت غزة، واجهت العائلة صعوبة بالغة في الحصول على الطحين والغذاء. ومع كل ذلك، بقي مهند يردد: "إن شاء الله الأمور تتحسن"، وكأن الأمل هو آخر ما تبقى له.
ومع دخول فصل الشتاء، تتحول الخيمة إلى عبءٍ إضافي. فالمنخفضات الجوية التي تضرب قطاع غزة، والتي تتسم بأمطارٍ غزيرة ورياحٍ شديدة وانخفاضٍ ملحوظ في درجات الحرارة، تكشف هشاشة أوضاع النازحين.
يصف مهند ليالي الشتاء قائلاً: "المياه تقتحم الخيمة ونغرق، حاولنا نغطيها بالشادر، لكن دون فائدة. الأغطية والحرامات تبللت، والرياح كادت تقتلع الخيمة". في تلك اللحظات، لا يملك سوى الانتظار والعجز، فهو لا يبصر ولا يستطيع إعالة نفسه أو حماية أطفاله من البرد القارس.
وتتوقع دائرة الأرصاد الجوية تأثر فلسطين بمنخفض جوي ماطر الاثنين والثلاثاء، سيكون مصحوباً برياح شديدة. وهو ما دفع جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة لدعوة المواطنين وخصوصاً النازحين في الخيام إلى أخذ احتياطات السلامة اللازمة لتجنب آثاره السلبية.
حتى الصيف لم يكن أرحم، فالحرارة العالية داخل الخيمة تؤثر في صحتهم، لتصبح الخيمة معاناةً في كل الفصول. وفوق ذلك، تفتقر المنطقة المحيطة للخيمة إلى الإضاءة المناسبة، ما يزيد من صعوبة حركة مهند وأبنائه المكفوفين، ويجعل اعتمادهم على أنفسهم شبه مستحيل.
يستغيث مهند كل الضمائر الحية، مطالباً بإنقاذ عائلته، وتوفير خيمةٍ أفضل تقيهم برد الشتاء وحر الصيف، وتعيد لهم جزءاً من كرامتهم المهدورة.
قصة عائلة البلعاوي ليست مجرد حكاية عن خيمةٍ تغرق في المطر، بل عن إنسانٍ كفيف يحاول حماية أطفاله من برد الشتاء، وعن أسرةٍ تواجه الطبيعة القاسية بقلوبٍ مثقلة بالخوف، وأملٍ هشّ ينتظر التفاتة إنسانية تنقذهم من مصيرٍ أكثر قسوة.
ورغم سريان اتفاق وقف حرب الإبادة الجماعية في 10 أكتوبر/تشرين الأول، فإن المعطيات الرسمية تشير إلى أن واقع الكارثة الإنسانية في غزة يتفاقم مع تنصل الاحتلال من التزام البروتوكول الإنساني، ومنعه إدخال الكرفانات، أو مواد إعادة الإعمار.