أعادت تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بشأن إطلاق "عملية أمنية" في صحراء النقب المحتل، وتعهداته باستيطان غير مسبوق في المنطقة، تسليط الضوء على سياسات إسرائيلية قديمة متجددة تستهدف الوجود الفلسطيني في الداخل المحتل، تحت عناوين أمنية وانتخابية.
وبينما يروج نتنياهو لهذه الخطوات باعتبارها فرضًا للسيادة، ترى قيادات فلسطينية في النقب أنها لا تعدو كونها خطابًا تحريضيًا ومزايدة سياسية، تصطدم بوقائع ديموغرافية وتاريخية راسخة، في مقدمتها فشل الاستيطان وثبات السكان الأصليين على أرضهم.
وقال نتنياهو خلال جولة في النقب رفقة وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير إن الشرطة بدأت عملية أمنية مهمة في النقب بالتعاون مع قوات أخرى، مصيفًا أن الهدف من هذا التحرك هو "إعادة النقب إلى (إسرائيل) وهذا يعني استيطانا على نطاق لم نشهده من قبل"، وفق تعبيره.
دعاية انتخابية
لكن رئيس المجلس الإقليمي للقرى مسلوبة الاعتراف في النقب عطية الأعسم قلل من أهمية تصريحات نتنياهو، معتبرًا أنها "تصريحات "مكررة" وتأتي في سياق الدعاية الانتخابية.
وأوضح الأعسم لـ "فلسطين أون لاين"، أن نتنياهو "يطلق مثل هذه التصريحات في كل مرة تسبق الانتخابات، في محاولة لتسويق نفسه أمام الرأي العام اليهودي"، مشيرًا إلى أن هذه الأقوال لا تعكس تحولات حقيقية على الأرض، بل تندرج ضمن خطاب سياسي اعتاده الفلسطينيون في النقب منذ قيام دولة الاحتلال.
وأضاف أن محاولات تهجير الفلسطينيين وزرع المستوطنات في النقب ليست جديدة، لافتًا إلى أن أول رئيس حكومة للاحتلال، دافيد بن غوريون، قال سابقًا إن "الشعب الإسرائيلي يُمتحن في النقب"، وسكن هناك لفترة، "غير أن الغالبية الساحقة من اليهود لا ترغب في العيش في النقب، وتفضل الإقامة قرب "منطقة المركز" حيث الحياة الاقتصادية والخدمات"، ما يفسر فشل مشاريع الاستيطان المتكررة في المنطقة.
وفي تعليقه على تبرير نتنياهو لهذه الخطوات بدواعٍ أمنية، رأى الأعسم أن رئيس حكومة الاحتلال "يسوّق نفسه مجددًا، ويحاول إرضاء شركائه في الائتلاف الحكومي، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير"، معتبرًا أن الخطاب المتطرف بات سمة مشتركة داخل حكومة الاحتلال، في مسعى لإظهار القوة وفرض القمع والسيطرة، خاصة تجاه الفلسطينيين.
وأشار إلى أن هذه التصريحات، رغم حدتها، "لن تغيّر من الواقع شيئًا"، في ظل وجود قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي ترفض الاستيطان في النقب، إضافة إلى الهجرة الكبيرة من (إسرائيل) إلى الخارج، التي تفوق أعداد القادمين الجدد.
وأكد أن نتنياهو يتعهد بالاستيطان في النقب منذ عشرات السنين، ويتحدث عن إقامة عشرات المستوطنات، "لكن هذه المشاريع فشلت في معظمها، ولم تتحقق إلا في نطاق محدود جدًا"، مشددًا على أن الفلسطينيين في النقب "ثابتون على أرضهم وقراهم، لأنهم أصحاب الأرض الأصليون"، و"نتنياهو وكل من سبقه هم غرباء عن هذه البلاد".
وختم الأعسم بالتأكيد على أن فلسطيني النقب يواجهون هذه المخططات عبر "المقاومة الشعبية، والعمل الإعلامي، والتحرك ضمن أطر داخل (إسرائيل)، وأطر عربية ودولية”، مع التعويل الأساسي على صمود أبناء النقب و"النفس الطويل" في النضال من أجل البقاء على الأرض.
تحريض وعنصرية
من جانبه، اعتبر القيادي الفلسطيني في النقب يوسف الزيادين أن تصريحات نتنياهو تنطوي على طابع تحريضي خطير، وتعكس رؤية عنصرية تتعامل مع البدو الفلسطينيين وكأنهم "مجموعة زعران وبلاطجة"، واصفًا ذلك بأنه "أمر معيب ومخزٍ" لا يليق بمن يفترض به أن يكون رئيسًا لكل مواطني الدولة، عربًا ويهودًا.
وأوضح الزيادين أن نتنياهو ينخرط عمليًا في خطاب وسياسات "بن غفير"، ويوفر غطاءً سياسيًا لتصرفاته العنصرية تجاه الفلسطينيين في الداخل، ولا سيما في النقب، محذرًا من أن أخطر ما في هذا الخطاب هو تصوير السكان العرب الأصليين وكأنهم "غزاة" أو دخلاء" على أرضهم.
وأضاف أن هذه التصريحات قضت على ما تبقى من أي أمل لدى عرب النقب بهذه الحكومة، وحتى بالحكومات الإسرائيلية المقبلة، في ظل مؤشرات واضحة على أن المشهد السياسي يتجه نحو حكومات يمينية متطرفة بامتياز. وأكد في هذا السياق أن ما يُعرف باليسار الإسرائيلي "فشل وانتهى سياسيًا"، رغم ما يسميه البعض "عهده الذهبي"، إذ لم يقدم أي إنصاف حقيقي لعرب الداخل، بل شُرعت خلال فتراته عشرات القوانين العنصرية، وهُدمت آلاف البيوت، وصدر عدد هائل من أوامر الهدم التي وجدها "بن غفير" جاهزة في الأدراج واستثمرها سياسيًا.
وأشار إلى أن أوضاع الفلسطينيين في الداخل اليوم "خطيرة وحساسة"، وتتطلب حالة نهوض جماعي في مواجهة سياسات الظلم والانتهاكات المتواصلة، مشددًا على ضرورة توحيد الخطاب السياسي الفلسطيني في الداخل، وعدم التعويل على الكنيست والانتخابات وحدها، بعد أن أثبتت هذه الأدوات فشلها على مدار أكثر من سبعين عامًا.
وأكد الزيادين أن المطلوب من الأحزاب والحركات السياسية هو وقف المناكفات الداخلية والصراع على أصوات الناخبين و"بيع الأوهام"، والتوجه بدلًا من ذلك إلى عمل جاد ومنهجي مع الجمهور العربي، يقوم على نشر ثقافة الوحدة، وتأطير وتنظيم المجتمع، وإطلاق حملة سياسية واجتماعية شاملة.
وأضاف أن هذه الحملة ينبغي أن تترافق مع الشروع في بناء مؤسسات أهلية وروابط اجتماعية وثقافية، وتشكيل لجان شعبية لمواجهة العنف والجريمة داخل المجتمع العربي، وقطع الطريق أمام السياسات العنصرية وكل من يتربص بأبناء الداخل.
وخلص الزيادين إلى التأكيد أن الفلسطينيين في الداخل مستهدفون بشكل مباشر، وأن عليهم النهوض وانتزاع حقوقهم بأيديهم، معتبرًا أن "هذا العالم المنافق لا ينظر إلى البكائين، بل إلى من ينظمون صفوفهم ويفرضون وجودهم".

