قائمة الموقع

تحت ظِل برج آيل للسقوط.. موتٌ مؤجل يداهم النازحين بساحة الجندي المجهول

2026-01-12T08:08:00+02:00
نازحون يعيشون بخيام قرب برج آيل للسقوط في غزة
فلسطين أون لاين

حين يهبط الظلام على حيّ الرمال في مدينة غزة، يرفع رائد الكفارنة (51 عامًا) عيناه نحو الأعلى، حيث يقف برج بنك فلسطين، بارتفاعه الشاهق، كظلٍ ثقيل يخيم على حياة النازحين في ساحة الجندي المجهول.

تعيش عائلة الكفارنة المكونة من 22 فردًا، في 5 خيام هشَّة مصنوعة من النايلون مثبتة بجوار بعضها على أرض رطبة أغرقتها مياه الأمطار، ولا تبعد سوى أمتار قليلة عن البرج المتصدع.

يقول رائد بصوت دلَّ على خوف يملأ صدره: "أكثر ما يؤرقنا ليس صوت الطائرات ولا ذكريات القصف، بل فكرة أن نستيقظ يومًا ما على انهيار مفاجئ."

خوف لا يختفي

البرج المؤلف من 15 طابقًا، الذي كان يومًا رمزًا للحداثة والحركة التجارية في أشهر أحياء مدينة غزة وأكثرها حيوية، تحول إلى مصدر خوف دائم، بعد أن نهشه القصف الإسرائيلي خلال حرب الإبادة، وجعله آيلاً للسقوط في أي لحظة.

فالبرج الذي يعدّ أحد أعلى أبراج مدينة غزة، تتجلى عليه أيضًا شراسة القنابل التي ألقتها مقاتلات جيش الاحتلال، ودمرت الطوابق السفلية منه، فيما تبدو أعمدته الخرسانية كأضلاع مكسورة ومائلة تركت الطوابق المرتفعة منه شبه معلقة في الهواء.

ولم يعد البرج وحدة شاهدًا على حرب الإبادة الشاملة، فالساحة المقابلة له، والتي كانت ملتقى للعائلات والشباب، ومركزًا للترفيه والحياة الاجتماعية، تحولت من مكان ينبض بالحياة إلى مسرح للخوف والقلق اليومي في صفوف النازحين تحت أسقف الخيام المتناثرة في محيطه.

وبينما تشهد الطريق الرئيسي الذي يطل عليه البرج حركة كثيفة للمواطنين والمركبات في ساعات النهار، يبقى النازحون وحدهم بحلول المساء في مواجهة مخاوفهم من موت مؤجل ينهي حياتهم في حال حدوث أي انهيار.

الأمان غائب

وتصاعدت مخاوف النازحين في ساحة الجندي، من إمكانية انهيار البرج بعد سلسلة منخفضات جوية عميقة وعواصف شتوية ضربت قطاع غزة، مؤخرًا، وتسببت بانهيار مبانٍ سكنية وأخرى لجأ إليها نازحون، فوق رؤوس ساكنيها، مع اشتداد قوة الرياح وغزارة الأمطار.

يضيف الكفارنة لـ "فلسطين أون لاين": "حين تهب الرياح، أشعر أن البرج سيسقط فوق رؤوسنا.. قد ينهار في أي وقت، وعندها ستقع الكارثة."

يشير هذا الرجل الذي يعيش حياة بدائية في الخيام منذ أن فقد منزله في بلدة بيت حانون، شمال قطاع غزة، إلى أنه بحث عن إيواء أفضل لعائلته في أماكن مختلفة من مدينة غزة، لكن مع اكتظاظ المدارس التي تحولت إلى مراكز نزوح، وامتلاء شوارع المدينة وساحاتها بالخيام، لم يجد أمامه سوى ساحة الجندي.

ويكتظ غربي مدينة غزة بالنازحين من قرى وبلدات محافظة شمال قطاع غزة، وكذلك الأحياء الشرقية والجنوبية للمدينة نفسها، مع استمرار جيش الاحتلال خرق اتفاق وقف إطلاق النار، وتوسيع مساحة المنطقة التي يسيطر عليها، عبر إزاحة مكعبات ما يعرف بـ"الخط الأصفر" إلى جهة الغرب.

قلق مشترك

على بعد خطوات من عائلة الكفارنة، تعيش عائلة أخرى تشاركها نفس المخاوف. حنين نعيم (26 عامًا)، وهي أم لطفلين، نصب لها زوجها خيمة على أطراف ساحة الجندي المجهول بعدما دمر جيش الاحتلال منزلهما في بيت حانون، وحال دون رجوعهم إلى منطقة سكنهم بفعل وقوعها خلف "الخط الأصفر".

قالت حنين لـ"فلسطين أون لاين": إن "وجودنا بجوار البرج الآيل للسقوط يضاعف معاناتنا. صحيح أننا نجونا من القصف، لكننا نخشى أن يقتلنا هذا البرج، وعندما ينام أطفالي -زين (3 أعوام) ويحيى (عامين)- أسأل نفسي: هل سيقع علينا البرج الليلة؟"

ورغم مخاوفها التي لا تفارقها، تحاول حنين (26 عامًا) أن تبدو قوية أمام طفليها. في ساعات النهار، وبينما تراقبهما باهتمام، تنظر إلى طوابق البرج المجوفة من الداخل، وعندما يخلدا للنوم ليلاً تضمهما إلى حضنها، خط الدفاع الأخير عنهما في حال وقع الانهيار.

ومؤخرًا، انطلقت حملة شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي، طالبت الجهات المختصة، بتفريغ ساحة الجندي المجهول من النازحين وأكشاك البائعين، وهدم الطوابق المرتفعة من البرج وإزالته حفاظًا على حياة المواطنين.

استجابة مستحيلة

لكن هذا المطلب يبدو مستحيلاً في زمن الحرب وبفعل الحصار الإسرائيلي، لاسيما بعد تدمير جيش الاحتلال معظم الآليات القادرة على تنفيذ هذه المهمة، وغياب المؤسسات الدولية عن أداء أي دور.

وهذا ما يؤكده المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني، الرائد محمود بصل، إذ بين أن المخاوف كبيرة من إمكانية انهيار برج بنك فلسطين فوق خيام النازحين المحيطة به، محذرًا من أن بقائه هكذا ينذر بكارثة إنسانية.

وحسبما أفاد لـ"فلسطين أون لاين"، فإن الدفاع المدني خاطب المؤسسات الدولية العاملة في غزة، وأنذرهم بمخاطر بقاء البرج واقفًا على حاله، في وقت تفتقد الجهات المحلية المعدات والآليات الثقيلة اللازمة لإزالته.

وناشد النازحين في محيط البرج، بضرورة إخلاء ساحة الجندي، والبحث عن أماكن آمنة للنزوح، والانتقال إليها سريعًا خشية انهياره مع توالي المنخفضات الجوية وما يرافقها من عواصف شتوية شديدة.

وبحسب قوله، فإن عدد المباني التي انهارت منذ سريان وقف إطلاق النار، في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بلغ قرابة 55 بناية سكنية بشكل كامل، فيما تسببت المنخفضات الشتوية بانهيار 22 مبنى فوق رؤوس ساكنيه، إضافة إلى أكثر من 150 مبنى انهارت جزئيًا.

وتسببت هذه الانهيارات بوفاة 22 مواطن بينهم أطفال ونساء، وإصابة العشرات، وفق بصل.

وتبقى آلاف المباني في القطاع الساحلي مهددة بالانهيار في أي لحظة، جراء تعرضها للقصف الجوي العنيف، أو بسبب عمليات النسف والتدمير المستمرة الذي ينفذها جيش الاحتلال. يرافق ذلك حصار مطبق تمنع بواسطته (إسرائيل) إدخال معدات وآليات إزالة الركام والمباني الآيلة للسقوط.

اخبار ذات صلة