مع حلول الشتاء في غزة، لا يصبح البرد مجرد حالة طقس عابرة، بل يتحول إلى امتحان قاسٍ للحياة والصمود. تحت خيامٍ مهترئة لا تقي من الرياح ولا تمنع تسرب المطر، يعيش الصحفيون الفلسطينيون تجربة مزدوجة القسوة؛ فهم ضحايا حرب لا تهدأ، وشهود عليها في الوقت ذاته. بينما تتجمد الأطراف من شدة البرد، يبقى القلم والكاميرا يقظين، يحاولان التقاط الحقيقة وسط ركام البيوت وهدير القصف.
الصحفي في غزة لا يملك ترف الاحتماء أو التوقف. يبدأ يومه وهو يفتش عن بطانية إضافية أو قطعة خشب صغيرة لإشعال نار خجولة، ثم يحمل معداته المتواضعة وينطلق إلى الميدان. هناك، تختلط رائحة البارود برائحة المطر، وتتزاحم الأصوات بين صراخ الأطفال، وأنين الجرحى، وأخبار عاجلة لا تنتظر. في تلك اللحظات، يصبح البرد تفصيلاً إضافياً في قائمة طويلة من المعاناة، لكنه لا يغيب عن الجسد ولا عن الذاكرة.
الخيام التي تأوي الصحفيين تشبه غيرها من خيام النازحين، لكنها تحمل داخلها عبئاً مختلفاً. فهنا تُكتب الأخبار على ضوء الهواتف المحمولة، وتُحرر التقارير بأيدٍ مرتجفة، لا من الخوف وحده، بل من قسوة الطقس وانقطاع الكهرباء. كل قطرة مطر تخترق سقف الخيمة تذكّرهم بهشاشة المكان، وبأنهم مكشوفون تماماً، مثل الحقيقة التي يسعون إلى إيصالها للعالم.
ورغم ذلك، لا يتراجع صوت الصحافة. فوسط هذا الشتاء القاسي، تتحول المعاناة إلى دافع إضافي للتمسك بالمهنية والصدق. يدرك الصحفيون في غزة أن صمتهم يعني غياب رواية كاملة، وأن عدساتهم هي النافذة الأخيرة التي تطل منها الحقيقة على العالم. لذلك، يواصلون العمل وهم يعلمون أن الخطر لا يهدد حياتهم فقط، بل يلاحق عائلاتهم وأحلامهم المؤجلة.
شتاء الحرب في غزة لا يقاس بدرجات الحرارة، بل بعدد القصص التي تُروى رغم الألم، وبعدد الصحفيين الذين يصرّون على البقاء في الميدان، مهما اشتد البرد وضاقت الخيام. في تلك الظروف القاسية، يصبح الصحفي جزءاً من الحكاية التي يرويها، شاهداً وصانعاً للذاكرة في آن واحد وبين برد الخيام وقسوة الحرب، يظل صوت الحقيقة أعلى من الريح، وأكثر إصراراً على البقاء.