مع استمرار الجمود الذي خيّم على مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة خلال الأسابيع الماضية، يعود الحديث بقوة عن إمكانية الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وسط مؤشرات متزايدة بأن الأسبوع القادم قد يكون مفصلياً في تحديد مسار الاتفاق برمته.
فبعد مرحلة أولى اتسمت بالتطبيق الانتقائي والتعطيل المتكرر، تبرز تساؤلات جوهرية بشأن ما إذا كانت الأطراف المعنية تتجه فعلاً نحو انتقال حقيقي، أم أن المرحلة الثانية ستولد مثقلة بالشروط والقيود ذاتها التي حكمت سابقتها.
التحركات الأمريكية الأخيرة، وعلى رأسها الحديث عن قرب الإعلان عن ما يُسمى "مجلس السلام" أعادت الزخم السياسي لهذا المسار، وفتحت الباب أمام تقديرات متباينة بشأن جدية الانتقال إلى المرحلة التالية.
وبينما تسعى واشنطن لتقديم هذا التطور كإنجاز سياسي يعكس قدرتها على إدارة الأزمة، تواصل (إسرائيل) فرض وقائع ميدانية جديدة عبر السيطرة الواسعة على أراضي القطاع، والاستعداد لإعادة ترتيب المشهد الأمني والإداري بما يخدم مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى.
ووفق صحيفة "هآرتس": الجيش الإسرائيلي يستعد للانسحاب من بعض أجزاء رفح لإقامة "مدينة جديدة" تتسع لعشرين ألف شخص. كما نقلت الصحيفة عن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية: المستوى السياسي لم يوعز بعد بالانسحاب أو بالانتقال نحو المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار
يرى مدير مركز "يبوس" للدراسات الاستراتيجية سليمان بشارات، أن الحديث عن المرحلة الثانية لا يجري وفق الخطة الأصلية، بل ضمن إعادة ترتيب يخدم الرؤية الإسرائيلية بالدرجة الأولى. فـ(إسرائيل) – بحسب بشارات – تريد إعادة تعريف المرحلة الثانية، خاصة فيما يتعلق بالانسحاب، عبر ربطه بمقايضات سياسية وأمنية، والحديث عن انسحابات "لما بعد الخط الأصفر"، رغم أنها أعادت السيطرة على مناطق داخله.
ويقول بشارات لصحيفة "فلسطين"، إن هناك توجهاً إسرائيلياً لربط إعادة الإعمار بالمناطق الخاضعة لسيطرتها، لا سيما رفح، بما يجعل الإعمار أداة لترسيخ الهيمنة، لا مدخلاً لإنهاء الاحتلال.
ويوضح أن الاحتلال يتعمد شراء الوقت وإغراق المرحلة القادمة في التفاصيل، بما يسمح له بالتدخل في كل مفاصل مستقبل غزة، في ظل تفهم أمريكي ومنح ضوء أخضر لهذا المسار.
أما على صعيد الوسطاء، فيحمّلهم بشارات مسؤولية تتجاوز المراقبة الشكلية للاتفاق، إلى ممارسة ضغط حقيقي على جميع الأطراف، بما فيها الولايات المتحدة. إلا أن الواقع، كما يصفه، يظهر أن واشنطن تتعامل مع الوسطاء بمعايير مزدوجة: تستخدمهم كورقة ضغط على الفلسطينيين، وتكتفي بإرضائهم بالوعود، دون تمكينهم من دور فعلي في التأثير على السلوك الإسرائيلي.
هذا التقدير يتقاطع إلى حد كبير مع قراءة أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية- رام الله د. سنية الحسيني، أن الحديث عن المرحلة الثانية لم يعد مجرد تكهنات إعلامية، بل بات يستند إلى جملة من المؤشرات السياسية والميدانية.
وفي مقدمة هذه المؤشرات، وفق رؤية الحسيني، التصريحات الأمريكية المتكررة حول قرب الإعلان عن ما يُسمى "مجلس السلام" خلال الشهر الجاري، وهو ما تعتبره الحسيني مؤشراً مباشراً على الاستعداد للدخول في المرحلة الثانية أو التمهيد لها على الأقل. كما تبرز استعدادات جيش الاحتلال لإعادة فتح معبر رفح، مع حديث إسرائيلي عن اتخاذ قرار رسمي بهذا الشأن، بالتوازي مع تواجد فريق أوروبي سيتولى مهام رقابية على المعبر، في محاولة لإضفاء طابع دولي منضبط على هذه الخطوة.
وتقول الحسيني لـ"فلسطين"، إن ما كشفته صحيفة "هآرتس" حول أعمال الحفر والتجهيزات التي تنفذها قوات الاحتلال في شمال رفح، ضمن ما يسمى بمشروع "غزة الجديدة"، يشكل دليلاً إضافياً على التحضير لمرحلة لاحقة تتجاوز وقف إطلاق النار، وترتبط بإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والإداري في القطاع.
كما أن سيطرة الاحتلال على أكثر من 50% من مساحة غزة، وتقدم قواته ميدانياً، يعكس برأي الحسيني– محاولة فرض وقائع جديدة تسبق أي ترتيبات سياسية قادمة. ويعزز ذلك تعيين المبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف في مجلس السلام، وبدء تحركاته ولقاءاته مع مسؤولين فلسطينيين في الضفة الغربية.
وتشير إلى أن (إسرائيل) حاولت ربط الدخول في المرحلة الثانية بإعادة جثامين إسرائيليين من غزة، رغم أن ذلك لم يكن شرطاً منصوصاً عليه في الاتفاق. إلا أن هذا الشرط، بحسب تقديرها، لم يعد مقنعاً للإدارة الأمريكية لتعطيل الانتقال، خاصة في ظل إدراك واشنطن لصعوبة نزع سلاح غزة.
وتبدو الولايات المتحدة اليوم معنية بتحقيق "إنجاز سياسي" يتمثل بالإعلان عن مجلس السلام، باعتباره الشرط العملي الكافي للانتقال إلى المرحلة الثانية، حتى لو كان ذلك انتقالاً منقوصاً.
وتُشكك في قدرة "مجلس السلام" على تحقيق اختراق فعلي بتنفيذ الأهداف التي عجز الاحتلال عن تحقيقها في المرحلة الأولى، وعلى رأسها إدارة غزة ونزع سلاح المقاومة تمهيداً لمرحلة ما قبل الإعمار، مرجحةً استمرار الواقع في قطاع غزة كما هو خلال الأشهر القادمة.
وتتضمن المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (خطة الـ 20) بنوداً من بينها: "إنشاء مجلس السلام وذراعه التنفيذية قوة الاستقرار الدولية، انسحاب جيش الاحتلال إلى الخط الأحمر لتصبح مساحة المناطق التي تُسيطر عليها (إسرائيل) تعادل نحو 20% من مساحة غزة، ويحظر على (إسرائيل) احتلال القطاع أو ضمه بشكل دائم، تشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية (إدارة محلية)، بدء خطة إعادة إعمار القطاع وإزالة الركام والانقاض".