قائمة الموقع

ضابط الدفاع المدني فادي عمر يتحدى الإصابة ويتمسك برسالة إنقاذ الأرواح

2026-01-10T20:00:00+02:00
ضابط الدفاع المدني فادي عمر
فلسطين أون لاين

رغم الإصابة البالغة التي ألزمته الفراش لسنوات، لم تنكسر عزيمة ضابط الإسعاف في جهاز الدفاع المدني، فادي عمر (42 عامًا)، ولم يخفت إصراره على العودة إلى الميدان.

فالرجل الذي أفنى قرابة عشرين عامًا من عمره في خدمة أبناء شعبه، لا يرى نفسه خارج صفوف الدفاع المدني، حتى وهو يواجه آلامًا يومية وإعاقات جسدية خلّفتها حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.

عمر، من سكان مدينة غزة، التحق بجهاز الدفاع المدني منذ ما يقارب عقدين، وعُرف بين زملائه بانضباطه واستعداده الدائم للاستجابة لأي نداء إنساني. ومع اندلاع حرب الإبادة على القطاع في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان، كغيره من أفراد الطواقم، في الصفوف الأولى، يواجه القصف والنيران من أجل إنقاذ الجرحى وانتشال الضحايا.

وفي صباح الخامس من ديسمبر/كانون الأول 2023، وبعد خمسة أيام فقط من انتهاء هدنة مؤقتة، غادر فادي منزله عند الساعة الثامنة صباحًا متوجهًا إلى مقر عمله في حي التفاح شرق مدينة غزة. ولم يكن يعلم أن تلك المهمة ستغيّر مجرى حياته.

فقد ورد نداء استغاثة من أحد المواطنين عقب قصف إسرائيلي، فانطلق بسيارة إسعاف تابعة لجهاز الدفاع المدني، مرتديًا سترته الرسمية التي تحمل شارات واضحة تدل على طبيعة عمله الإنساني.

وأثناء مروره في شارع النفق وسط مدينة غزة، استهدفه صاروخ أطلقته طائرات الاحتلال الإسرائيلي بشكل مباشر، ليستفيق بعد يومين من الغيبوبة على سرير مستشفى الأهلي العربي “المعمداني”، محاطًا بصراخ الجرحى وأنين المصابين، دون أن يتذكر شيئًا مما جرى منذ خروجه من منزله.

استهداف متعمد

ويؤكد عمر أن الاستهداف كان مباشرًا ومتعمدًا، رغم وضوح الشارات على سيارة الإسعاف والزي الرسمي، ورغم التزامه بكافة معايير السلامة المتعارف عليها دوليًا. ويشير إلى أنه فقد الذاكرة ليومين كاملين، لم يعلم خلالهما كيف نُقل أو ما الذي جرى له، حتى أخبره الأطباء لاحقًا بتفاصيل إصابته.

وأُصيب عمر بجرح قطعي في مؤخرة الرأس، وشظايا في أنحاء متفرقة من جسده، إضافة إلى إصابة خطيرة في ساقه اليمنى أسفل الركبة، أدت إلى فقدان جزء من العظم بطول نحو 10 سنتيمترات. ونقله المواطنون من موقع الاستهداف، الذي تعرّض لقصف مكثف بنيران الحزام الناري، إلى المستشفى وهو فاقد للوعي.

ويستعيد عمر لحظة الإفاقة من الغيبوبة قائلًا: “شعرت وكأنني في حلم، فتحت عيني على مشهد لا يُحتمل؛ جرحى يصرخون، وآهات تملأ المكان، ولم أستطع الحركة”. ويتذكر كيف سأله الأطباء إن كان يتعرف على ابنه محمد (17 عامًا) الجالس إلى جواره، في محاولة للتأكد من سلامة وعيه بعد إصابة الرأس الخطيرة.

وبسبب الاكتظاظ الهائل في المستشفيات وارتفاع أعداد الشهداء والجرحى، نُقل عمر إلى منزله لمواصلة العلاج بإمكانات بدائية. وبعد ثلاثة أيام فقط، جُبرت ساقه ووُضعت لها جبيرة مؤقتة لحمايتها من البتر.

ولا حقًا، أُجريت له عملية جراحية داخل المنزل، أُزيلت خلالها أنسجة تالفة من الجرح دون تخدير، بسبب نفاد مواد التخدير، في مشهد لا يزال محفورًا في ذاكرته.

وخضع عمر، وفق ما قاله لمراسلنا، لأكثر من 12 عملية جراحية في ساقه اليمنى، شملت تثبيت الكسور وتركيب صفائح ومسامير طبية لتعويض الفقدان العظمي، إلا أن سوء التغذية ونقص الأدوية حالا دون التئام العظام حتى اليوم.

كما تعرّض لاحقًا لجلطة في ساقه اليسرى، أفقدته القدرة على الحركة لفترات طويلة، وبقي طريح الفراش قبل أن يستعيد جزءًا محدودًا من نشاطه.

رحلة علاج قاسية

وخلال رحلة العلاج الشاقة، استخدم جهازًا يدويًا لشفط الصديد من ساقه، وكان هو وزوجته وأبناؤه يتناوبون على تشغيله كل ربع ساعة، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية. ويقول إن الأطباء قرروا في مناسبتين بتر ساقه، لكنه نجا في اللحظات الأخيرة بعد التأكد من إمكانية إنقاذها.

ويستحضر مواقف عديدة خاطر فيها بحياته، من بينها قيادته سيارة إطفاء دون تدريب مسبق لإخراجها من منطقة خطرة تحت إطلاق النار، حفاظًا على آخر مركبة إطفاء كانت تعمل آنذاك في مدينة غزة.

وفي إحدى أكثر اللحظات قسوة، اضطر عمر للنزوح جنوبًا مع أسرته في سبتمبر/أيلول 2025، وهناك أُصيبت ابنته إصابة خطيرة اخترقت صدرها. ورغم إعاقته، زحف على الأرض تحت إطلاق النار ليصل إليها ويقدم لها الإسعافات الأولية، في مشهد يجسد تداخل الأب والضابط والمسعف في شخص واحد.

واليوم، يعيش عمر في منزل مدمر جزئيًا في حي أبو إسكندر بمدينة غزة، ويتنقل بمساعدة عكازين طبيين وأفراد أسرته، لكنه لا يزال يردد: “لا أستطيع الجلوس في المنزل والناس بحاجة إلينا”.

ويؤكد استعداده للعودة إلى عمله في جهاز الدفاع المدني، ولو في الجانب الإداري، ومع ذلك لا يتردد في الخروج ميدانيًا إذا استدعت الحاجة.

وتعمّد جيش الاحتلال الإسرائيلي، منذ الساعات الأولى للحرب على قطاع غزة، استهداف مقرات وطواقم ومركبات الدفاع المدني، حيث بلغ عدد شهداء الجهاز 142 شهيدًا، وأُصيب 352 آخرون بإصابات خطيرة أخرجتهم نهائيًا من الخدمة، معظمهم من ذوي الخبرات الطويلة.

ليست قصة عمر استثناءً، بل نموذجًا حيًا لتضحيات كوادر الدفاع المدني في غزة، الذين يواجهون الموت يوميًا، ويتمسكون برسالتهم الإنسانية، مؤمنين بأن إنقاذ روح واحدة يستحق كل هذا الألم.

اخبار ذات صلة