بين رائحة الفستق الحلبي المُحمَّص وعبق القهوة بالهيل، كان عامر مرتجى (48 عامًا) يبدأ يومه خلف منصة محله الشهير لبيع المكسرات. لم يكن المحل بالنسبة لعامر مجرد مصدر رزق، بل «مملكة صغيرة» بناها حجرًا فوق حجر، تمامًا كما بنى بيته المكوَّن من أربعة طوابق؛ ذلك الصرح الذي شاده من عرق جبينه ليكون ملاذًا لعائلته، قبل أن تحوّله الحرب إلى أثرٍ بعد عين.
لم تكن خسارة عامر مادية فحسب، بل سلسلة من الانكسارات التي بدأت قبل الحرب واستمرت خلالها. فبرغم ملامح الصمود التي ترتسم على وجهه، يُكابد عامر وجعًا عميقًا يسكنه؛ فهو أب لثلاثة أبناء (محمد، وكريم، وناهدة)، لكنه يحمل في قلبه غصّة فقدان خمسة من أبنائه الذين توفوا نتيجة مضاعفات «زواج الأقارب»، ليكون قدره أن يصارع الفقد في السِّلم والحرب معًا.
يستذكر عامر، لمراسل صحيفة «فلسطين»، ملامح محله وبيته المُدمَّرين، ويقول بصوتٍ مخنوق: «لم يكن مجرد محل أو جدران، كان خلاصة عمري. كنت أعرف أذواق زبائني؛ هذا يحب اللوز المُدخَّن، وتلك تفضّل البزر التركي. اليوم، لم يعد هناك زبائن، ولم يعد هناك بيت يلمّ شملنا، ولم يتبقَّ لي سوى مفتاحٍ لبابٍ لم يعد موجودًا».
تحوّل عامر من «صاحب عمل» يوفّر فرص العمل لغيره، إلى رجلٍ يبحث في جيوبه الخاوية عن ثمن ربطة خبز. فالحرب لم تُدمّر الجدران فحسب، بل ضربت الهوية الاقتصادية والاجتماعية لعائلته.
اليوم، تختزل حياة عامر في مساحةٍ ضيقة لا تتجاوز أمتارًا داخل خيمة في منطقة الزوايدة. نزوحٌ قسري فرضه واقعٌ مرير، يقف فيه العجز المادي عائقًا أمام أبسط أمنياته. وبرغم رغبته الشديدة في العودة والاستقرار في منطقته الأصلية بحي الزيتون، إلا أنه لا يملك حتى ثمن المواصلات التي تنقله وعائلته إلى هناك، ليبقى أسير النزوح والانتظار داخل خيمته.
وبمرارة، يستغرب عامر كيف تبدّلت الأدوار، قائلًا: «يؤلمني أن أرى من يسرقون المساعدات اليوم وقد أصبحوا هم "كبار التجار" والمتصدرين للمشهد، بينما نحن الذين أفنينا أعمارنا في التجارة الشريفة وبناء سمعتنا حجرًا فوق حجر، نجد أنفسنا بلا عمل، وبلا قدرة حتى على توفير ثمن المواصلات».
يصف عامر حاله اليوم بـ«الموت البطيء»، فالفراغ الذي خلّفه العمل لا يملؤه سوى القلق من المستقبل. ويضيف: «أصعب شعور أن تستيقظ صباحًا ولا تجد مكانًا تذهب إليه. اليد التي اعتادت على العمل والإنتاج باتت اليوم معطّلة قسرًا، وهذا العجز أقسى من الجوع نفسه».
قصة عامر مرتجى ليست حالةً فردية، بل مرآة لواقعٍ قاسٍ يعيشه مئات أصحاب المحال التجارية الذين تحوّلوا بين ليلة وضحاها من فئة «المنتجين» إلى فئة «المعوزين». ومع استمرار الحرب، تتّسع فجوة البطالة، وتتلاشى مدّخرات العمر التي التهمتها شهور النزوح وغلاء المعيشة الفاحش.
يختم عامر حديثه وهو ينظر إلى كفّيه اللتين خشنتا من النزوح لا من العمل، قائلًا: «المحل والبيت قد يعوّضهما الله، لكن العمر الذي ضاع في بنائهما لا يعود. نحن لا نريد معونات؛ نريد استعادة حياتنا، والعودة إلى بيوتنا وأعمالنا، لنشعر بكرامتنا من جديد».