فلسطين أون لاين

الطغيان الأمريكي والانكسار العربي: من كامب ديفيد إلى "صفقة القرن"

بينما يراقب العالم باندهاش تطورات السياسة الأمريكية العسكرية باعتقال رئيس دولة مستقلة من بيته ، يتضح أن ما نراه ليس مجرد أحداث منفصلة، بل هو تعبير صريح عن رؤية استراتيجية عميقة للعالم ويكشف عن الوجه الحقيقي لأمريكا الشيطان الأكبر ، هذه الرؤية لا تعترف بحدود للقدرة، ولا تُقيم وزناً للتّوازنات الدوليّة التقليدية. إنها تفتح الباب واسعاً لتأمّلٍ أعمق في طبيعة الهيمنة وتأثيرها المدمّر على المشروع العربي، وخصوصاً في قضية الصراع مع إسرائيل والسلام المُشْتَرَط.

١. الهيمنة على القرار العربي: الأداة والغاية

يكشف التحليل الواقعي حقيقةً مُرّة، وهي أنّ *المفاهيم التي ترفعها واشنطن شعاراتٍ، كـ«الديمقراطية» و«القانون الدولي»، ليست في حقيقتها سوى أدواتٍ نفعيّة في يد العقل السياسيّ الذي يَسعى للهيمنة*. وهذا المنطق ذاته هو المُتحكّم في تعاملها مع الأنظمة العربية. فالهيمنة على القرار العربي لم تكن يوماً تفضُّلاً أو شراكةً، بل هي سياسةٌ مُحْكَمةُ تستهدف إخضاع الإرادة الوطنية والقومية لتحقيق مصالح استراتيجية ضيقة. لا تبحث هذه السياسة عن حلفاءَ حقيقيّين، بل عن وكلاءَ منفّذين. تُقدّم لهم حِمايةً وهميّةً، وتُزيّن لهم التنازلاتَ تحت شعارات السلام والتعاون، بينما هي في الحقيقة تُفرغ دولهم من سيادتها وتجعل قرارها السياسيّ والأمنيّ تابعاً لإملاءات خارجية. إنّ الاستخفاف الذي يلمسه المراقبون ليس مجرّد إهانةٍ عابرةٍ، بل هو جوهر العلاقة: فالأنظمة التي قبلت بهذه التبعيّة لم تعد سوى أدواتٍ في آلة الهيمنة الكبرى، تُستَخْدَم وقت الحاجة وتُهان حين يُشاء.

٢. السلام المُشْترط: بوابة التوسع الإسرائيلي

هنا تكمن الخطورة الكبرى. فـ«السلام» الذي يُفرض، ويُطبّله بعض الأنظمة العربية، ليس سلامَ العادل والشرفاء، بل هو سلام الاستسلام والإذعان. إنّه ذاك «السلام» الذي يخدم في جوهره أحلام القوّة الوحيدة التي تسعى للهيمنة على الأرض. وأحلام الهيمنة هذه تتحقّق، في منطقتنا، عبر تمكين المشروع التوسّعي الإسرائيلي.

· النموذج التاريخي: كامب ديفيد: ما بدأ مع اتفاقيات كامب ديفيد لم يكن مجرّد اتفاقيّة سلامٍ منفردة. لقد كان، في التحليل التاريخي الموضوعي، بداية سقوط. سقوط الحلم العربي القائم على التضامن في مواجهة الاحتلال، وسقوط الشرف الذي يقضي بأن لا يُباع الحقّ ولا يُشترى. لقد مثّل ذلك الانفرادَ أوّلَ شرخٍ كبيرٍ في الجبهة العربية، وحوّل أقوى دولة عربيةٍ عسكرياً في حينه إلى شاهدٍ على التمدّد الإسرائيلي اللاحق في فلسطين ولبنان وسوريا، بل وجعلها طرفاً ضامناً لأمن مشروع الاحتلال. لقد حوّل السلامُ المنفردُ دولةً محوريةً من حاجزٍ أمام «إسرائيل الكبرى» إلى أحد أبوابها.

· الرؤية المستقبلية: من النيل إلى الفرات: اليوم، لم تعد الأحلام التوسعيّة خفيّة. فالتصريحات المتكرّرة، والسياسات الاستيطانية المُتوحّشة، والتطبيع المُمنهج تحت الغطاء الخارجيّ، كلّها تؤشّر إلى أنّ السلام المُطروح هو تمهيدٌ طريقٍ لتحقيق الحلم التوسعيّ التاريخيّ. إنّه سلامٌ يهدف إلى تطويق الأمّة وتفكيكها، بحيث يصبح الكيان المحتلّ القوّةَ المهيمنةَ اقتصادياً وعسكرياً من النيل إلى الفرات، تحت مظلّة حامية للهيمنة العالمية.

٣. وجه امريكا العاري: من الخطاب المُلطَّف إلى العُري السياسي

يشهد العقد الأخير نقطة تحوّلٍ، ليس في المسار الاستراتيجي، بل في الأساليب والخطاب. لقد تمّ خلع قناع الدبلوماسية واللياقة جزئياً. تصريحات علنية عن الاستحواذ على ثروات الآخرين، كالنفط وأموال الشرق الأوسط، أو عن التصرّف بالمقدّرات الوطنية للدول، ما هي إلا تعبيرٌ عن الجوهر الحقيقيّ الذي كان يُخبّئه الخطاب السياسيّ «المتحضّر» سابقاً. لقد تجسّدت مرحلة «التدمير المكشوف» في سياساتٍ واضحة. وهذا العُريّ في الخطاب يجسّد أيضاً الاستخفاف المطلق بالأنظمة التي تقبل بالتبعيّة. فهو لا يرى حاجةً حتى إلى تبريرٍ أو خطابٍ ملطَّفٍ، لأنّ التبعيّة وصلت إلى درجةٍ يصبح معها الطلبُ أمراً، والإملاءُ قانوناً.

من هان سهل الهوان عليه

ما لجرح بميت إيلام

إنّ التشخيص الموضوعي للأحداث يُظهر مرض الأمّة المزمن. لقد حوّلت الهيمنة، عبر أدواتها من «سلام» مُشْتَرَطٍ وأنظمةٍ تبعيّة، الكيانَ الغاصبَ من كيانٍ محتلّ إلى رأس حربةٍ إمبرياليّ يُستخدم لتمزيق المنطقة وتفتيت إرادتها. لقد كان السلام المنفرد بداية الانكسار، لأنّه حوّل القضية المركزية للأمّة من قضية تحرّرٍ وعدالةٍ إلى مسألة تفاوضيةٍ تخضع للمصالح الضيّقة.

الخطر اليوم أكبر من أيّ وقتٍ مضى، لأنّ الهيمنة لم تعد تخفي وجهها بالكامل. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوّة: هل ستستمرّ حالة الانكسار والشرف المُهدَر، أم أنّ صرخة الحقّ التي تخرج من تحت الركام، كما في فلسطين، ولبنان واليمن و العراق ستُشكّل نواةً لصحوةٍ عربيةٍ جديدةٍ ترفض الهيمنة والتبعيّة، وتعيد بناء الحلم العربي على أسسٍ من السيادة والحرية والعدالة؟ الجوابُ ليس في يد قوى الخارج، بل في إرادة الأمّة وقدرتها على استخلاص الدروس من دربٍ طويلٍ من الخيبات، والعمل بمقتضى مصالحها الوطنية والقومية العليا واستلهام الدروس والعبر من مما يجري وجرى على الأمم .

المصدر / فلسطين أون لاين