بعد يومين من محادثات مكثفة عُقدت في العاصمة الفرنسية باريس، توصلت "إسرائيل" وسوريا، برعاية أمريكية، إلى تفاهمات مبدئية تقضي بإنشاء آلية تنسيق مشتركة، تتيح اتصالًا مباشرًا وفوريًا ومفتوحًا بين الأطراف.
وتهدف هذه الآلية، التي سيجري توصيفها كـ"خلية اتصالات متخصصة"، إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض منسوب التوترات العسكرية، وتعزيز قنوات الحوار السياسي، إضافة إلى بحث مسارات تعاون اقتصادية محتملة في المستقبل، وفق ما أوردته مصادر مطلعة.
وبحسب المعطيات، ستبدأ الآلية عملها في مرحلتها الأولى عبر قنوات اتصال هاتفية، بما يسمح بالتعامل السريع مع أي احتكاكات ميدانية أو سوء فهم محتمل، على أن يُبحث لاحقًا عقد اجتماعات حضورية في دولة ثالثة، من دون تحديد إطار زمني أو موقع واضح حتى الآن.
ورغم هذا التقدم التقني، أقرت مصادر مطلعة بأن الخلافات الجوهرية بين الاحتلال وسوريا ما زالت عميقة، ولا سيما في الملفات السيادية والأمنية.
وجاءت محادثات باريس ضمن مسعى أمريكي أوسع لمنع التصعيد في شمال سوريا، وقد جرى توصيفها منذ البداية على أنها محادثات أمنية محدودة، وليست مفاوضات تهدف إلى تطبيع سياسي أو التوصل إلى اتفاق سلام شامل.
وبحسب مصادر دبلوماسية، ناقش الأطراف أيضًا إمكانية تحديث أو إعادة تفعيل اتفاقية فصل القوات لعام 1974، التي أُبرمت عقب حرب أكتوبر وأنشأت منطقة عازلة بإشراف الأمم المتحدة، دون التوصل إلى تفاهمات عملية حتى الآن.
وخلال المحادثات، طالب الجانب السوري بانسحاب قوات الاحتلال من المناطق التي تتمركز فيها جنوب سوريا منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، مؤكدًا أن أي اتفاق مقبل يجب أن ينص صراحة على احترام السيادة السورية الكاملة، ومجددًا موقفه بأن الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية غير شرعي، وأن ملف الجولان ما زال قائمًا ولم يُحسم.
في المقابل، رفضت "إسرائيل" هذه المطالب واعتبرتها "خطوطًا حمراء" غير قابلة للتفاوض، مؤكدة أنها لن تنسحب من مرتفعات الجولان أو جبل الشيخ، مع الإشارة إلى إمكانية بحث أوضاع نقاط أخرى تنتشر فيها قوات الاحتلال.
كما تناولت المحادثات مسألة الوجود الإسرائيلي في جبل الشيخ، واتفق الطرفان على إبقاء هذا الملف قيد النقاش ضمن القناة المفتوحة، دون اتخاذ قرارات ميدانية في هذه المرحلة.
وأكدت حكومة نتنياهو أن أي تفاهم مستقبلي يتطلب ضمانات أمنية واضحة، تشمل نزع السلاح من المناطق الحساسة جنوب غربي سوريا، وإنشاء آليات رقابة تحول دون تمركز قوى تعتبرها "معادية" قرب الحدود.
وشارك في المحادثات وفد أمريكي ضم مسؤولين كبارًا في إدارة ترامب، بينهم جاريد كوشنر، وستيف ويتكوف، وتوم باراك، فيما مثّل دولة الاحتلال مستشار الأمن القومي بالوكالة جيل رايش، والسكرتير العسكري لرئيس الحكومة رومان جوفمان، إلى جانب السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر. أما الجانب السوري، فمثّله وزير الخارجية الشيباني ورئيس جهاز المخابرات.
وأكدت مصادر مطلعة، وفق "معاريف"، أن إنشاء آلية التنسيق لا يُعد إنجازًا سياسيًا بحد ذاته، بل أداة لإدارة التوتر وتقليل الاحتكاك، في ظل إقرار واشنطن بأن القضايا الخلافية الأساسية، وعلى رأسها الانسحاب والسيادة والترتيبات الأمنية، ما تزال بعيدة عن الحل، دون مؤشرات على اتفاقات جوهرية أو جدول زمني واضح، مع ترجيح استمرار المحادثات بحذر ودون قرارات متسارعة.

