قائمة الموقع

كرافانات غزة… مأوى مؤقت وكرامة مؤجلة

2026-01-06T18:05:00+02:00
صورة من الأرشيف
فلسطين أون لاين

في وقتٍ تراوح فيه الحلول الإنسانية مكانها تحت وطأة الحصار الإسرائيلي المشدد، يواجه النازحون في قطاع غزة حقيقة واحدة قاسية: الخيمة لم تعد صالحة للحياة. ومع استمرار الاحتلال في عرقلة إدخال الوحدات السكنية الجاهزة عبر المعابر، تتعالى صرخات آلاف العائلات التي فقدت منازلها، وتعيش اليوم في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات السكن اللائق، وسط تساؤلات مريرة عن جدوى المبادرات المحدودة أمام حجم الاحتياج الكارثي.

في خيمة مهترئة تفتقر لأدنى شروط السلامة، يجلس الشاب يوسف الداية (37 عامًا) في أحد مخيمات النزوح شمال غزة، يراقب أطفاله الستة وهم يرتجفون من البرد القارس، بينما تتسرب مياه الأمطار إلى فرشهم البالية.

يقول الداية لصحيفة فلسطين بمرارة: “خسرنا بيتنا المكون من ستة طوابق، واليوم يُطلب منا أن نشكر الله لأننا نعيش في خيمة. الخيمة ليست بيتًا، إنها قطعة قماش تسترنا صيفًا وتغرقنا شتاءً. نحن لا نطلب قصورًا، نطلب فقط كرفانًا يحفظ لنا ما تبقى من كرامتنا وخصوصيتنا”.

ولا تختلف معاناة الأرملة سناء حسان (60 عامًا)، التي تعيش مع أبنائها الأربعة وعائلاتهم في ثلاث خيام متلاصقة، إذ تقول بصوت يثقلُه التعب: “أنا امرأة مريضة، والرطوبة تنهش عظامي. الكرفان بالنسبة لي ليس رفاهية، بل غرفة مستورة أستطيع فيها تناول دوائي والنوم بكرامة بعيدًا عن أعين الناس”.

مبادرة محدودة

في محاولة لكسر جدار الحصار، أعلنت جمعية البركة الجزائرية عن مبادرة لتصنيع وحدات سكنية جاهزة (كرافانات) محليًا داخل قطاع غزة. وكشف نائب مدير الجمعية، حاتم اليازجي، لصحيفة فلسطين، عن بدء إنتاج 30 كرفانًا في المرحلة الأولى، ستُخصص لجنوب القطاع كأولوية إنسانية عاجلة.

وأكد اليازجي أن المبادرة تحمل رؤية تتجاوز الحلول المؤقتة، مشيرًا إلى التوجه لاحقًا نحو شمال القطاع لإطلاق مشروع أوسع يتمثل في إنشاء مدينة سكنية متكاملة، بهدف تثبيت المواطنين في مناطقهم وتوفير حد أدنى من الحياة الكريمة للأسر المتضررة.

وشدد على أن تنفيذ المشروع يتم بتنسيق كامل مع وزارة الأشغال العامة والإسكان، وأن آليات التوزيع ستخضع لمعايير دقيقة وشفافة لضمان وصول الوحدات إلى أكثر الفئات احتياجًا.

من جهته، أوضح مسؤول في وزارة الأشغال العامة، فضّل عدم ذكر اسمه، أن المشروع يُنفذ محليًا عبر شركة متخصصة باستخدام خشب عازل مقاوم للأمطار والرطوبة، لتوفير بيئة صحية نسبياً للنازحين، رغم شح المواد الخام نتيجة إغلاق المعابر ومنع إدخال مستلزمات البناء.

وأشار إلى أن تكلفة الكرفان الواحد تتراوح بين 12 و15 ألف دولار، نظرًا لندرة المواد واعتماد معايير عزل حراري ومائي تتماشى مع الظروف المناخية القاسية في القطاع.

وتحذّر وزارة الأشغال من أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا تسد سوى جزء ضئيل من الفجوة الهائلة، إذ يحتاج قطاع غزة إلى أكثر من 200 ألف وحدة سكنية لإيواء النازحين، ما يجعل إنتاج عشرات الكرافانات أشبه بإسعاف مؤقت لجراح عميقة.

وبحسب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، فإن قوة الاحتلال ملزمة بضمان توفير المأوى والحماية للسكان المدنيين، وعدم عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، وهو ما تؤكد الأمم المتحدة أنه لا يتحقق في غزة، حيث يُستخدم الحصار ومنع مواد الإيواء كأداة عقاب جماعي محظورة قانونًا.

وكانت تقارير أممية، صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، قد أكدت أن الخيام لا توفر سكنًا لائقًا، ولا تلبي الحد الأدنى من المعايير الإنسانية، خاصة في فصل الشتاء، محذرة من مخاطر صحية وأمنية جسيمة تهدد حياة النازحين، لا سيما الأطفال وكبار السن.

وفي هذا السياق، اعتبرت وزارة الأشغال أن مبادرة “البركة الجزائرية” تمثل رسالة إنسانية وسياسية في مواجهة سياسة المنع الإسرائيلية، لكنها لا تعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته القانونية والأخلاقية في فرض إدخال مواد الإيواء وإطلاق عملية إعادة إعمار حقيقية.

وبينما تدق المسامير في ورش التصنيع المحلية لتمنح الأمل لـ30 عائلة، تبقى مئات آلاف العيون شاخصة نحو المجتمع الدولي، بانتظار قرار ينهي زمن الخيام، ويعيد للنازحين سقفًا يحميهم، وحقًا بسيطًا في العيش بكرامة، طال انتظاره.

 

 

اخبار ذات صلة