لم تعد الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة أزمة عابرة أو ظرفية، بل تحولت إلى انهيار بنيوي شامل طال مختلف القطاعات الإنتاجية والعمالية والزراعية، بفعل حرب الإبادة والحصار الخانق الذي شلّ مقومات الحياة.
ومع التدمير الواسع للبنية التحتية، وتعطل سوق العمل، وانهيار القدرة الشرائية، يجد أكثر من مليوني فلسطيني أنفسهم أمام اقتصاد مشلول، انتقل قسرًا من الإنتاج إلى الإغاثة، ومن الاكتفاء النسبي إلى التبعية الكاملة.
وفي هذا المشهد القاتم، تتقاطع تحذيرات الخبراء الاقتصاديين والنقابيين والمختصين الزراعيين لتؤكد أن ما يجري في غزة لا يمثل مجرد تراجع اقتصادي، بل تفكيكًا ممنهجًا للاقتصاد والمجتمع معًا، يهدد أي أفق حقيقي للتعافي في ظل غياب الإعمار واستمرار الحصار.
وقال الخبير الاقتصادي محمد سكيك إن الحالة الاقتصادية في قطاع غزة تمثل نموذجًا صارخًا لما يمكن تسميته بـ«التنمية العكسية القسرية»، موضحًا أن الحرب أدت إلى تدمير شامل للأصول الرأسمالية والبنية التحتية الإنتاجية، ما نقل الاقتصاد من مرحلة الركود إلى الانهيار الهيكلي الكامل.
وأوضح سكيك، لصحيفة فلسطين، أن غياب آليات إعادة الإعمار أسهم في تعميق العجز في الميزان التجاري، وتآكل القوة الشرائية بفعل التضخم الجامح وانهيار الدورة النقدية، الأمر الذي حوّل المجتمع إلى اقتصاد ريعي إغاثي يعتمد كليًا على تدفقات خارجية محدودة.
وحذّر من أن استمرار هذا الفراغ الاستثماري يكرّس التبعية الاقتصادية المزمنة، ويجعل استعادة الوظائف والنمو أمرًا شبه مستحيل في ظل نظام اقتصادي مشلول، مؤكدًا أن الاقتصاد الغزي يعيش أخطر مراحله منذ عقود.
من جانبه، أكد رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في قطاع غزة، سامي العمصي، أن حرب الإبادة الجماعية التي شنها الاحتلال الإسرائيلي أدت إلى تعطل نحو 400 ألف عامل عن العمل، وارتفاع نسبة البطالة إلى 77% خلال عام 2025، مشيرًا إلى أن العمال وصلوا إلى مستويات كارثية من الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي.
وقال العمصي، لـ"فلسطين"، إن الحرب شكّلت المسمار الأخير في نعش القطاعات الاقتصادية الحيوية التي كانت تشكّل مصدر دخل لآلاف العمال، محوّلة إياهم من أيادٍ عاملة إلى فئات تعتمد على المساعدات والإغاثة.
وأضاف أن تدمير القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية، إلى جانب استمرار الحصار والإغلاق ومنع إدخال المواد اللازمة لإعادة تشغيل عجلة الإنتاج، ينذر باستمرار معاناة العمال لسنوات طويلة.
وبيّن العمصي أن العدوان، منذ السابع من أكتوبر 2023، أدى إلى توقف قطاعات كاملة، أبرزها قطاع الإنشاءات الذي كان يشغّل نحو 40 ألف عامل، والورش المعدنية (10 آلاف عامل)، والزراعة (35 ألف عامل)، والنقل العام (20 ألف سائق)، إضافة إلى تدمير قطاع الصيد البحري الذي كان يوفر فرص عمل لنحو 4 آلاف صياد، وقطاع الخياطة (8 آلاف عامل)، والمطاعم والسياحة (5 آلاف عامل)، والصناعات (8 آلاف عامل)، فضلًا عن آلاف العمال في قطاعات أخرى دخلوا دائرة البطالة.
بدوره، قال الدكتور زكريا الكفارنة، الخبير في قطاع الإنتاج الحيواني، إن هذا القطاع في غزة يمر بواقع مزرٍ وغير مسبوق بعد تعرضه لتدمير شبه كامل أفقده القدرة على الاستمرار والإنتاج.
وأوضح الكفارنة، في حديثه لصحيفة فلسطين، أن القطاع أصبح معتمدًا قسرًا على الاحتلال الإسرائيلي في توفير المدخلات الأساسية، نتيجة التدمير الممنهج للمزارع والحظائر، ونفوق أعداد كبيرة من الثروة الحيوانية.
وأشار إلى أن هذا الواقع انعكس بشكل خطير على الأمن الغذائي، ورفع كلفة المنتجات الحيوانية، وفاقم معاناة المزارعين، محذرًا من أن استمرار الوضع القائم دون تدخل عاجل سيؤدي إلى اندثار القطاع بالكامل وتحويله إلى قطاع إغاثي هش.
وشدد الكفارنة على ضرورة إطلاق خطة إنقاذ عاجلة لإعادة تأهيل الإنتاج الحيواني ودعم المربين، بما يضمن الحد الأدنى من السيادة الغذائية لسكان قطاع غزة.
وفي السياق ذاته، قالت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) إنه لم يتبقَّ سوى أقل من 5% من الأراضي الزراعية القابلة للزراعة في قطاع غزة، بعد أن تضرر أكثر من 80% من المساحات المزروعة بفعل العمليات العسكرية، وأصبحت 77.8% منها غير متاحة للمزارعين.
وأضافت المنظمة أن أكثر من 70% من البيوت البلاستيكية الزراعية دُمّرت بالكامل، كما تضررت غالبية الآبار الزراعية المستخدمة للري، ما جعل الوصول إلى المياه الزراعية محدودًا للغاية.
وأكدت «فاو» أن ما تشهده غزة يمثل انهيارًا شبه تام في منظومتها الزراعية والإنتاجية، محذّرة من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى اعتماد شبه كامل على المساعدات الإنسانية لتأمين الغذاء لملايين السكان.

