- جزء من الصناديق نهبت وأخرى بقيت سليمة وسلمت لأصحابها
- عودة: تعرضنا لمماطلة كبيرة من البنك ورده كان صادما
- كساب: مدير مكتب "السرايا" منعني من زيارة صندوقي بعد إبلاغي بفقدانه
- تغريد: أبلغت ببريد رسمي بأن الصندوق تعرض للنهب والسرقة
- بنك فلسطين: حصرنا الأضرار ونتواصل مع الجهات المختصة ونراجع الشكاوى الواردة بدقة
- مستشار قانوني: إذا أهمل البنك توفير الحماية ولم يتعرض للقصف فإنه يتحمل المسؤولية
بين تأخير في الرد وطلب تحديث بيانات وأوراق، أو الادعاء بأن الصناديق غير جاهزة للتسليم، جاء رد بنك فلسطين على شكاوى سيدات أودعن ودائع ثمينة وأوراق مهمة في صندوق الأمانات مكتب السرايا أو ما يعرف شعبيا "فرع الجلاء"، بأن "الصناديق مفقودة"، لتعيش النساء حالة من الصدمة، إذ كان بمثابة الأمان الوحيد" لهن.
وفي حالات موثقة لـ "فلسطين أون لاين" أبلغ البنك عبر بريد إلكتروني أو بمقابلات وجاهية عن طريق وكيل أربع حالات بفقدان الصناديق، وبلغ عدد من أُبلغه البنك بفقدان صناديقهم حتى اللحظة سبعة أشخاص بينهم خمس سيدات معظمهن نزحن إلى مصر مع بداية الحرب.
أودعت زينب عودة وتعمل صحفية ذهبا إدخرته وأوراقا رسمية هامة في صندوق أمانات في بنك فلسطين فرع "الجلاء" والقريب من مفرق السرايا بمدينة غزة، قبل الحرب بعامين، ومع بدء الحرب نزحت إلى مصر قبل عام ونصف تركت مفتاح الصندوق مع شقيقتها كي تطمئن عليه دوما.

لكن بعد توقيع وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين أول 2025، وبعد محادثات عدة استمرت أياما مع البنك على تطبيق واتساب، أكد لها في 4 نوفمبر/ تشرين ثاني 2025 أن صناديق الأمانات في "أمان" وأنه بإمكانها أن تفوض أختها لتراجع البنك وتطمئن عليه وتستلم حتى محتوياته وبناء على تطمينات البنك ومساعدتهم لها في كتابة التفويض توجهت شقيقتها في 6 نوفمبر/ تشرين ثاني من الشهر ذاته، وقابلت مدير البنك أنس الطيب الذي أبلغها أن صندوقها ويحمل رقم "78" ضمن الصناديق المفقودة.
تشكل حادثة فقدان صناديق الأمانات ببنك فلسطين، واحدة من الألغاز باعتبار أن المنطقة التي يتواجد فيها البنك لم يطلها الدمار مقارنة بغيرها من المناطق، فضلا أن الصندوق يقع تحت الأرض وهو عبارة عن غرفة كبيرة محصنة.
وللخزنة باب حديدي صلب له ما يشبه مقود السيارة يفتح بأرقام سرية، وبداخلها صناديق كخزائن تفتح بمفاتيح مزدوجة بحيث تكون نسخة مع البنك ونسخة مع العميل فقط، ويدخل المفتاحان معا في الصندوق كي يفتح، ما يصعب فتحه بسهولة، وهو مقاوم للحريق والفقدان والسرقة كما هو مكتب بشعار صندوق الأمانات على موقع بنك فلسطين.
رد صادم
وتقول عودة لـ "فلسطين أون لاين": "صدمت شقيقتي بما قاله مدير البنك، وليس معقولا أن تقال الكلمة بمنتهى البساطة بأن يطلب منا "العوض من الله"، في ذات الوقت أرسلت بريدا إلكترونيا في 6 نوفمبر لمكتب البنك في القاهرة أبلغته أني أفوض أختي لاستلام محتوى صندوقي، وكانت إجابته أن "الصندوق غير جاهز للتسليم حاليا"، دون تحديد موعد التسليم، وبعدها بيومين تقدمت بشكوى لمدير عام البنك عبر الشكاوى ولم يرد، وبعد عشرة أيام أرسلت كتابا آخرا ولم يتم الرد".
وما يثير استغرابها في حادثة فقدان الصندوق أن "البنك لم يقصف ولم يتعرض لأي استهداف مباشر طوال الحرب، ومع ذلك ودائع العملاء العينية داخل صناديق الأمانات فقدت".
ويحمل الصندوق رقم (78) وحجمه متوسط، وقامت بزيارة الصندوق مرتين ضمن إجراءات دقيقة، وتؤكد أنه حتى اللحظة لم يتم إرسال مخاطبة رسمية من البنك تفيد بفقدان الصناديق، باستثناء إبلاغ شقيقتي شفهيا من مدير الفرع بذلك.
دوامة انتظار
تغريد وهي سيدة استأجرت صندوق أمانات في بنك فلسطين فرع الجلاء بإيجار سنوي يبلغ 50 دولارا، فتقول لـ "فلسطين أون لاين": "إنها اختارت البنك لثقتها العالية فيه منذ سنوات، ووضعت ذهبا ونقودا في البنك".
وتضيف "عندما حصلت الحرب واضطررت للخروج من غزة تواصلت مع البنك أكثر من مرة ولكن لم يتم الرد بحجة أن الحرب دائرة ومن الصعوبة الوصول للبنك للاطمئنان وأنا تفهمت ذلك، وبعد انتهاء الحرب تواصلت معهم ليبلغوني إن الصندوق غير جاهز للتسليم الآن، وأيضا تفهمت الموضوع وتوقعت أن يكون هناك ترتيبات معينة سيقوم بها البنك قبل البدء بالإجراءات، فأرسلت لصفحة البنك على واتساب وأبلغت أن الأمانات في حفظ البنك وفي أمان".
لكن كانت صدمة تغريد عندما تواصلت بعد ذلك مع مندوب بنك فلسطين في مصر ليتم إبلاغي في بريد رسمي بكلمة "نأسف" الصندوق تعرض للنهب والسرقة دون أي تفاصيل أو معلومات مع العلم أن البنك لم يتعرض للقصف، وهناك صناديق كثيرة جرى تسليمها لأصحابها فهل تم حماية صناديق معينة؟ لا أحد يجيب وتركونا مع كلمة "نأسف".

في صندوق آخر ويحمل الرقم "80" وهو مشترك ويعود لابتسام محمد عايش ومرفت محمد المزين، وتكررت نفس الإجراءات السابقة، بأن الصندوق غير جاهز للتسليم، ثم التأكيد بعد مقابلة مدير الفرع بفقدان الصناديق وأن الخزنة كلها مفقودة. وكحال سابقاتهن تواصلن مع بنك فلسطين فرع القاهرة فجاء الرد بأن "الصندوق مفقود لظروف خارجة عن إرادة البنك".
أما محمد كساب والذي يحمل صندوق أماناته رقم "81" فيقول لـ"فلسطين أون لاين"، إنه قابل مدير مكتب السرايا أنس الطيب وأبلغه أن خزنته ضمن الخزنات المفقودة بسبب الحرب، مؤكدا وجود خزنات سليمة لم تسرق جرى تسليمها لأصحابها. ويعتقد كساب أن عدد الصناديق المفقودة بالفرع نحو عشرة صناديق، لافتا، إلى أن مدير الفرع منعه من زيارة الصندوق، لكن أحد الذين استلموا صناديقهم أبلغه أن المكان سليم.
وبالرغم من حادثة فقدان الصناديق بفرع الجلاء، إلا أن الصناديق في فرع البنك بشارع عمر المختار والذي تعرض للاستهداف المباشر ظلت سليمة، فقبل ثلاثة أشهر تسلمت ماجدة البلبيسي محتويات صندوقها، وتقدر أن نحو 20 إلى 30 فردا تسلموا صناديقهم بنفس اللحظة، وتكشف لـ "فلسطين أون لاين": "كان المكان مدمرًا، ونزلنا من الباب الخلفي من جهة سوق الخضار لموقع الخزنة المحصنة تحت الأرض ووجدنا موظفين كانوا يأمنون الخزنات وقمنا باستلامها".
توجهنا لمدير فرع الجلاء أنس الطيب إلا أنه رفض مقابلتنا بحجة أنه يريد خطابا رسميا من البنك في رام الله للحديث عن الموضوع، وكانت المقابلة تهدف للاستفسار عن طريقة السرقة.
رد البنك
حادثة السرقة لم ينفها، رئيس دائرة الاتصال والعلاقات العامة في بنك فلسطين ربيع دويكات، ورد على سؤال "فلسطين أون لاين" حول كيفية حدوث السرقة بالرغم من وجود الصناديق بغرفة محصنة "ماذا تتوقع من لص جاء ليسرق البنك؟. ولست بمكان وموقع لشرح عمليات السرقة التي تعرض لها البنك. إن هذه الحوادث ليست من سمات شعبنا ولا أخلاقه بأن تستغل الحالة الأمنية التي كانت سائدة لسرقة البيوت والبنوك وأموال أبناء شعبنا".
ويقول دويكات لـ"فلسطين أون لاين": "نحن في بنك فلسطين ندرك حجم الخسائر التي لحقت بأهلنا نتيجة الحرب وما رافقها من آلام ودمار، ونتفهم المخاوف بعد فقدان عدد من صناديق الأمانات في فروع القطاع خلال الحرب، فما جرى خارج عن إرادتنا، وجاء نتيجة القصف المباشر للمباني، وهو ما أدى للأسف إلى فقدان السيطرة على كل جزء من محتوياتها أو سرقتها".
ويكشف أنهم منذ اللحظة الأولى قام البنك بحصر الأضرار والتواصل ع الجهات المختصة، ويعمل حاليا على مراجعة كل الشكاوى الواردة إليه بدقة، وسيتم التواصل مع كل عميل على حدى حال توفر أي معلومة جديدة بخصوص صندوقه".
ورغم أن المنطقة المحيطة بالبنك لم تتعرض لتدمير كبير، لكن يفيد بعض جيران البنك من العائلات التي لم تنزح من غزة، أن جيش الاحتلال تمركز بالمنطقة في 13 نوفمبر/ تشرين ثاني 2023، واستمر تمركز الآليات والجنود لنحو 12 يوما، ما اضطر الأهالي للنزوح، ثم عاد مرة أخرى وسيطر على المنطقة لثمانية أيام في 15 ديسمبر/ كانون أول من نفس العام، ويبقى هذا الاحتمال مستبعدا نظروا لوجود صناديق لم تنهب.
ويقول أحد الجيران وفضل عدم الكشف عن هويته لـ "فلسطين أون لاين": "لم نر أشخاصا دخلوا البنك، صحيح أننا بقينا بمنازلنا المجاورة للبنك، لكن مع كل عملية عسكرية لجيش الاحتلال في مستشفى الشفاء أو منطقة الصناعة، كنا نتعرض لإطلاق نار من مسيرات "كواد كابتر" فننزح داخل المدينة، ونزحنا كثيرًا، وفي كثير من الأحيان عندما كنا نعود كنا نرى أبواب المحال التجارية مفتوحة بعد تعرضها للنهب من لصوص". ويفيد آخرون بعدم وجود تسجيلات كاميرات مراقبة بسبب تعطل الانترنت وفصل الكهرباء نتيجة ظروف الحرب.
عقد مغلظ
وقانونيًا، يعد صندوق الأمانات عقد استئجار غير عادي وهو عقد وديعة مغلظة المسؤولية ومقفلة، فيقوم البنك بتأجير العميل صندوقا ويضع بداخله محتويات لا يعرفها البنك، وتقتصر مسؤولية بالالتزام بتوفير مكان آمن لحماية الصناديق، ما يجعله أمينا على حفظ المكان والصناديق من الخارج وليس من الداخل. وفق المحامي والمستشار القانوني مروان البرش
ويؤكد البرش لـ"فلسطين أون لاين" بأنه في حال الظروف الطبيعية، فإن إذا كان الضياع وفقدان المحتويات بسبب تقصير وإهمال من البنك فإن المسؤولية تكون عليه باعتباره لم يأخذ الاحتياطات اللازمة لحفظ الصناديق، مما يستوجب عليه التعويض ومن يحدد التعويض المحكمة المختصة التي لها سلطة تقديرية بناء على البيانات والمعلومات التي يقدمها العميل.
ويلفت إلى أنه في حال وقعت السرقة أو حريق وتلف للصناديق دون إهمال البنك، فإن المسؤولية تنتفي عن البنك، ويكون غير ملزم بالتعويض.
وحول حالة الوضع في غزة خلال الحرب، يؤكد أن الحرب لها تأثيرها في حال فقدان المحتويات بسبب قصف أو تدمير المكان واستهدافه وضياع المحتويات بسبب اقتحام أو سرقة الصناديق بوسبب الشغب والفوضى والأعمال العسكرية، فلا يتحمل مسؤوليتها، أما إذا كان السبب أثناء الحرب هو الإهمال في اتخاذ الحماية اللازمة ولم يكن هناك أي استهداف أو اقتحام للمكان ومكان البنك سليم فإن البنك يتحمل المسؤولية، ويمكن للمواطن رفع دعوى قضائيا وعليه اثبات أن البنك قصر وأهمل في اتخاذ الإجراءات اللازمة في حفظ المكان وحمايته.

