فلسطين أون لاين

ظهرٌ أعوج وخوف من الانكسار ...

تقرير أنصاف... طفلة غزية تحاصرها الحرب والمرض وسباق الوقت

...
أنصاف... طفلة غزية تحاصرها الحرب والمرض وسباق الوقت
غزة/ هدى الدلو:

قبل أن تبدأ حرب الإبادة على غزة، كانت أنصاف أبو سيف (14 عامًا) تخوض حربًا صامتة في جسدها، فقد لاحظت أسرتها أن مشيتها تميل، وأنها حين تجلس تجد صعوبة في الوقوف، فتقف ببطء، وتعدل ظهرها بصعوبة، وتخفي ألمها بابتسامة شاحبة، وجاءت الحرب وزادت الطين بلة.

تسرد شقيقتها نرمين أبو سيف (25 عامًا) لصحيفة "فلسطين": "عندما لاحظ والدي مشكلتها اصطحبها إلى العديد من الأطباء وأُجريت لها الفحوصات وصور الأشعة، فتم إخبارنا بالنتيجة التي صدمت كل من حولها، اعوجاج في العمود الفقري وحالتها تستدعي جراحة عاجلة في مستشفيات الضفة الغربية".

لكن فجأة، جاءت الحرب وقلبت الأمور رأسًا على عقب، فالمعابر أُغلقت، والتحويلات الطبية ألغيت، والمستشفيات امتلأت بالجرحى، والأمل في العلاج بدأ يتلاشى، ومع مرور الأيام، بدأت حالة أنصاف تزداد سوءًا.

تقول: "كان قد حدد موعد التحويلة العلاجية في بداية شهر نوفمبر لعام 2023، كنا نعد الأيام التي تنتقل فيها أنصاف للعلاج وتصبح مثل الأطفال الطبيعيين في حركتها ومشيتها وتمارس حياتها، لكن مع بدء الحرب كل شيء انتهى".

"فلم يعد الألم داخلها.. صار يبان على جسمها، كتفها صار يبين أعلى من التاني.. وهي تحاول تخفيه بس الوجع بيحكي عنها"، تتابع شقيقتها نرمين.

وفي 5/6/2024 قصف الاحتلال بيت عائلتها الواقع في مخيم البريج، فاستشهد والدها وشقيقها الصغير، واصيبت هي بكسر في عظمة الترقوة وباقي أفراد أسرتها، رغم مرور كل هذه المدة إلا أن كسرها لم يلتئم حتى اليوم لتعاني في كل حركة ليدها بوجع لا يحتمل.

وتصف أنصاف شعورها قائلة: "كل يوم بحس ظهري بينحني أكتر.. بكره اطلع بره الخيمة، وبخاف من بكرا"، مشيرة إلى أنه من الصعب التأقلم مع مشكلتها الصحية فكيف بعد الاصابة التي زادت من وضعها الصحي سوء.

فلا تتمكن أنصاف من حمل حقيبتها المدرسية إلا بصعوبة ووجع، وتشتكي أنه في ظل ظروف الحرب الصعبة لا يمكن لها مساعدة عائلتها في نقل جالونات المياه، خاصة أن والدتها مريضة سرطان في الرئة وتحتاج لمن يعينها.

وتكمل أنصاف: "المسكنات ما بتجيب نتيجة.. الألم لسه موجود، وكل يوم أكتر".

وتوضح شقيقتها نرمين أن الأطباء حذروا عائلتها أن الوقت ليس في صالحهم، "قالولنا لازم العملية قبل ما تصير 17 سنة.. بعدها بيصير خطر كبير على حياتها، ممكن الاعوجاج يزيد وتوصل للشلل".

وفي قلب المخيمات المزدحمة، تتفاقم حالتها، فجسدها ينكمش مع البرد، وآلامها تشتد في الليالي الطويلة، "الشتا والبرد بيخليني أرجف، ضهري بيصرخ، و ما فب إلي مكان أرتاح فيه"، تهمس أنصاف. 

فقد نزحت عائلتها قسرا مرات عديدة، وكل مرة كانوا ينامون على الأرض، بلا فرشة طبية، أو وسادة تحمي ظهرها المتعب.

لكن وجع أنصاف لا يقتصر على الألم الجسدي، وتضيف: "بضحكوا عليّ بالمدرسة.. بيحكولي امشي عدل! ما بيعرفوا إني بتمنى أمشي زيهم"، تقول بصوت دامع.

كل يوم تخوض فيه أنصاف معركة مع الألم، هو يوم آخر يخطف منها طفولتها، فقد وجدت نفسها في سباق مع الزمن والوجع، "أنا كنت خايفة من العملية، بس هالوقت خايفة ما أقدر ألحق اعملها".

فهي لا تطلب شيئًا مستحيلاً، فقط ممرًا مفتوحًا نحو الحياة، قبل أن تغلق الحرب بابها الأخير، "بدي أرجع أمشي مستقيم.. بدي أوقف زي البنات، بدون ألم، بدون خوف".

المصدر / فلسطين أون لاين