فلسطين أون لاين

شتاء بلا جدران: معاناة أهل غزة بين الخيام والمطر

مع انحناء الشمس مبكرًا في أيام الشتاء، يبدأ الخوف في غزة قبل حلول الليل. فهنا، لا يعني المساء دفئ البيوت ولمّة العائلة، بل يعني استعدادًا جديدًا لمواجهة بردٍ قاسٍ داخل خيام لا تملك من الخيمة سوى الاسم. في هذا الشتاء، يعيش مئات آلاف النازحين بلا جدران تحميهم، ولا أبواب تُغلق في وجه الرياح، ولا سقوف تمنع السماء من الانهمار فوق رؤوسهم. البرد لا يطرق الأبواب في غزة، لأنه لا يجدها أصلًا.

حين تتلبد السماء بالغيوم، تتبدل ملامح القلق على الوجوه. المطر، الذي اعتاد الناس انتظاره بشوق، صار مصدر رعب حقيقي. مع أولى القطرات، تبدأ الخيام بالانحناء تحت وطأة الرياح، وتتسرب المياه من كل زاوية، فتغمر الفرش والأغطية، وتبتلع ما تبقى من دفء. الأرض تتحول إلى مستنقع من الطين، ويغدو السير بين الخيام معركة يومية، خاصة للأطفال الذين لا يملكون أحذية تقي أقدامهم من البلل والبرد.

داخل الخيمة، تتكدس العائلة في مساحة ضيقة، محاولين الاحتماء بأجساد بعضهم البعض. الأطفال يرتجفون بصمت، أو يبكون من شدة البرد، فيما تحاول الأمهات إخفاء خوفهن خلف ابتسامات واهنة. تقضي النساء ساعات طويلة في محاولة تجفيف الملابس بوسائل بدائية، ويعدن ترتيب الخيمة بعد كل عاصفة، وكأنهن يعالجن جرحًا لا يلتئم. أما المرضى وكبار السن، فيواجهون الشتاء بأجساد أنهكها التعب، وأمراض تتفاقم في غياب الدواء والتدفئة.

الليل في الخيام قصة أخرى من المعاناة. الظلام يلف المكان، وأصوات الرياح والمطر لا تهدأ. النوم يصبح رفاهية نادرة، فالخوف من انهيار الخيمة أو ازدياد تسرب المياه يوقظ العيون مرارًا. لا وقود يكفي لإشعال المدافئ، وإن وُجدت، يصبح استخدامها خطرًا يهدد الحياة. يلتحف الناس بما توفر من بطانيات رقيقة، لا تصمد طويلًا أمام قسوة البرد، ويقضون الساعات منتظرين الصباح وكأنه طوق نجاة.

ورغم كل هذا، لا يخلو المشهد من صور إنسانية مؤلمة وجميلة في آن واحد.. ترى الجيران يتقاسمون ما لديهم، بطانية إضافية هنا، أو قطعة نايلون هناك لتقوية خيمة متهالكة. ترى شابًا يحاول سد الثقوب بيديه العاريتين، وطفلًا يحمل دلواً لإخراج الماء المتجمع داخل خيمته. في قلب هذه المعاناة، يولد نوع خاص من التضامن، فرضته الحاجة، وغذّاه الألم المشترك.

شتاء غزة ليس مجرد طقس عابر، بل امتداد لمعاناة طويلة. فالفقر والحصار والنزوح جعلت من البرد عدوًا يوميًا، ومن المطر امتحانًا قاسيًا للصبر. الخيام التي يفترض أن تكون مأوى مؤقتًا تحولت إلى مسكن دائم، لا يقي من حر الصيف ولا من برد الشتاء. ومع كل ليلة باردة، يتجدد السؤال في عيون الناس: إلى متى؟

ورغم الانكسار الظاهر، يظل أهل غزة متمسكين بالحياة. يزرعون الأمل في كلمات بسيطة، وفي دعاء يعلو مع صوت المطر، وفي انتظار يوم يعود فيه البيت بيتًا، والجدار جدارًا، والشتاء فصلًا يحمل الخير لا الخوف. شتاء بلا جدران، نعم، لكنه أيضًا شتاء يكشف قوة الإنسان حين يُجبر على الصمود، ويُثبت أن المعاناة، مهما اشتدت، لا تستطيع أن تطفئ إرادة البقاء.

المصدر / فلسطين أون لاين