فلسطين أون لاين

الهجوم على فنزويلا في ميزان الجيوبوليتيك: النفط، الردع، وكسر التعددية القطبية

شنت الولايات المتحدة الأمريكية حربًا مفاجئةً ضد الحكومة الفنزويلية الحالية، بعد أن أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحذيراتٍ عدة لرأس الحكم الفنزويلي (مادورو) بترك الحكم ومغادرة فنزويلا، بحجة تهديد الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية لأمنها من حيث المهاجرين الفنزويليين والمخدرات التي يدعي الرئيس الأمريكي غزوها لبلاده من فنزويلا، وقد استطاعت القوات الأمريكية اعتقال الرئيس الفنزويلي (مادورو) بعد ساعاتٍ من بدء الحرب، ويُلاحظ أن توقيت هذا الهجوم لم يأتِ بمعزلٍ عن السياق الدولي العام، بل تزامن مع أزمات متفاقمة في أسواق الطاقة العالمية، وتصاعد حدة التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، الأمر الذي يفتح الباب أمام قراءة الهجوم بوصفه خطوة استباقية مدروسة، لا مجرد رد فعلٍ أمني طارئ.

فهل يمكن النظر للمبررات التي تتخذها الولايات المتحدة مبرراتٍ جدية أم أنها بمثابة غطاء لتدمير النظام الفنزويلي الذي يملك أحد أضخم الاحتياطيات النفطية في العالم؟

وتزداد مشروعية هذا التساؤل إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن فنزويلا تمثل أحد المفاتيح الاستراتيجية في معادلة الطاقة الدولية، وأن أي تغيير قسري في نظامها السياسي من شأنه إعادة ضبط توازنات سوق النفط بما يخدم المصالح الأمريكية، ويُقصي المنافسين الدوليين، وعلى رأسهم الصين وروسيا، عن أحد أهم مصادر الطاقة في نصف الكرة الغربي.

كما تكثر المبررات لدى الولايات المتحدة عند تنفيذها لهجومٍ عسكري على أحد الدول لتدمير نظامها، فبعد أن عملت واشنطن على تطوير استراتيجيتها حيث النأي عن الحروب في منطقة الشرق الأوسط المنهكة للقوات الغربية لكثرة الصراعات فيها تحت غطاء (مكافحة الارهاب)، والتوجه للاهتمام بالصعود الصيني الاقتصادي والعسكري والتقارب الروسي الصيني الايراني في ذات الوقت، وقد بدأ بذلك الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن الذي سحب قواته من أفغانستان، وبادئاً بتنفيذ الخطة إلا أن معركة طوفان الأقصى كانت بمثابة نقطة إجبار للولايات المتحدة بالإبقاء على استراتيجيتها الأولى نظرًا لوضع "اسرائيل" الذي كان على شفا جرف انهار.

وفي هذا الإطار، يبدو أن واشنطن أعادت ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، دون أن تتخلى عن أدوات التدخل العسكري التقليدية، بل أعادت توظيفها جغرافيًا، بعيدًا عن الشرق الأوسط، باتجاه مناطق تُعد أقل كلفة عسكريًا، وأكثر عائدًا استراتيجيًا، وفي مقدمتها أمريكا اللاتينية.

كما أن الذي يجبر على التحليل في هذا الشأن هو أن قدوم ترمب للبيت الأبيض من جديد بعد حقبة بايدن الديمقراطية يمكن اعتباره بمثابة العودة لسياسة الولايات المتحدة الجمهورية، كما كانت حقبة جورج بوش الابن حين غزا العراق بغطاء امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل، حيث عمل على سحق النظام العراقي دون خبرةٍ كافيةٍ للخسائر التي دفعتها القوات الامريكية مقابل الانجازات المحققة.

وفي السياق ذاته، تعكس سياسات ترمب الحالية نزعةً تصادمية صريحة مع منظومة القانون الدولي، وتأكيدًا على أولوية القوة الصلبة في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية، في استعادة واضحة لنهج "الحرب الوقائية" الذي طبع مرحلة بوش الابن، وبذات السياسة وضربًا لكافة القوانين والاعراف والاعتبارات الدولية يعيد ترمب صياغة اسم وزارة الدفاع الامريكية لتصبح وزارة الحرب، في خطوةٍ تظهر شكل السياسة الأمريكية للعالم، والتي بدأت تظهر معالمها بالسماح لـ "اسرائيل" بالعودة للحرب في غزة، والإبقاء على اتباعها سياسة إنهاكِ حزب الله في لبنان، وأخيرًا شن حربٍ ضد فنزويلا.

وتحمل هذه الخطوات رسالة سياسية مزدوجة، مفادها أن مرحلة التردد الاستراتيجي قد انتهت، وأن واشنطن عازمة على إعادة تكريس نفسها كقوة أحادية لا تتردد في استخدام القوة خارج الأطر الأممية، سواء لردع الخصوم أو لطمأنة الحلفاء، كما أن الذي لا يمكن التغاضي عنه هو أن استهداف واشنطن لفنزويلا لم يكن عبثًا من ناحيةٍ أيديولوجية استراتيجية، حيث يعتبر الرئيس الفنزويلي (مادورو) من المناهضين للسياسة الأمريكية، والداعمين لمحور المقاومة الذي تقوده إيران، بجانب تقاربه من الصين وروسيا، الأمر الذي تعتبره الولايات المتحدة خطرًا على أمنها القومي، ويزداد هذا التهديد من وجهة النظر الأمريكية بحكم الموقع الجغرافي لفنزويلا ضمن أمريكا اللاتينية، التي لطالما اعتبرتها واشنطن "حديقتها الخلفية"، والتي لا تسمح، وفق عقيدتها الجيوسياسية، بتمدد أي نفوذ صيني أو روسي داخلها.

 لذلك فإن ترمب يؤكد من خلال هذا السلوك، أن الأحادية القطبية ما زالت قائمة، وأن الولايات المتحدة لن تسمح بانتقال النظام الدولي نحو التعددية القطبية، ولو بالقوة العسكرية، لكن الفارق بين السياسة الأمريكية الحالية والسياسة الأمريكية في عهد جورج بوش الابن هو سعي واشنطن حاليًا لإشعال حربٍ أهليةٍ تشغل فنزويلا ببعضها البعض، فيما تعمل واشنطن على استثمار الحرب الأهلية لصالحها، من خلال تنصيب الموالين لها، وبناء جيشٍ يؤمن بالولاء لواشنطن، بجانب السيطرة على موارد النفط الفنزويلية.

ويكشف هذا النهج عن انتقال واشنطن من سياسة الاحتلال المباشر إلى سياسة التفكيك الداخلي، بما يضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية بأقل كلفة بشرية وسياسية على الولايات المتحدة نفسها، ومن الجدير ذكره، تاريخ شعب فنزويلا الطويل في مقاومة الظلم والاضطهاد، حيث لا يعتبر الشعب الفنزويلي من الشعوب التي لا تملك تاريخًا طويلًا من المقاومة للاحتلال وأعوانه، لذلك لن يكون يسيرًا على واشنطن ارساء الأمن كما تريد في فنزويلا بالطريقة التي تريدها، بل ستواجه مقاومة عنيفة حتى لو تحولت لحربٍ أهلية.

المصدر / فلسطين أون لاين