على مدار سنوات، شكّل العمل عن بُعد في قطاع غزة نافذة نادرة على العالم الخارجي، وملاذًا اقتصاديًا لآلاف الشبان والشابات في ظل بطالة مزمنة وحصار طويل.
ومن التصميم والبرمجة إلى التعليم الإلكتروني وصناعة المحتوى، تمكّن الغزيون من الاندماج في سوق العمل العالمي، وتحقيق دخول تفوق متوسط الأجور المحلية بأضعاف.
غير أن الحرب التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم تدمّر البيوت والبنية التحتية فحسب، بل أطاحت أيضًا بهذا القطاع الصامت، الذي كان يُنظر إليه باعتباره من أكثر القطاعات أمانًا واستقرارًا.
العمل يتوقف
كانت مريم حسونة (29 عامًا)، مصممة جرافيك، تعتمد بشكل كامل على عملها عبر الإنترنت مع شركات وحسابات خارج غزة. تقول مريم لصحيفة فلسطين: «حوّلت الأيام الأولى للحرب العمل إلى سباق مع الوقت والانقطاع، فمع كل تأخير في التسليم كان هامش صبر العملاء يتقلص».
حاولت مريم العمل من مقاهٍ تعتمد على مولدات الكهرباء، متنقلة بحاسوبها بحثًا عن إشارة إنترنت مستقرة، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا. وخلال فترة قصيرة، خسرت جميع عملائها، وتوقف دخلها بالكامل. وبالنسبة لها، لم تكن الخسارة مادية فقط، بل شعورًا قاسيًا بانهيار سنوات من بناء المسار المهني بسبب ظروف خارجة عن إرادتها.
المهارة لا تكفي
في مدينة غزة، عاش أحمد عماد تجربة مشابهة من زاوية مختلفة. كان يعمل مبرمج ويب ضمن فريق تقني تابع لشركة أوروبية، يشارك في اجتماعات افتراضية ويُسلّم مهامه بانتظام. غير أن تدمير شبكات الاتصالات وضعف الإنترنت حوّلا كل اجتماع إلى مخاطرة، وبعد أسابيع من التقطّع والتأخير قررت الشركة إنهاء التعاقد.
يقول أحمد لصحيفة "فلسطين": «لم أفقد عملي بسبب تقصير أو ضعف كفاءة، بل لأن بيئة العمل في غزة لم تعد توفّر الحد الأدنى من الاستقرار الذي تتطلبه الشركات العالمية».
عمل بلا أجر
أما شذى أبو عيطة (30 عامًا) من مخيم جباليا، كاتبة المحتوى المستقلة، فواجهت عقبة إضافية إلى جانب ضعف الاتصال، تمثلت في تعطل النظام المالي. فحتى عندما كانت تنجح في إنجاز بعض الأعمال، لم تكن قادرة على تحصيل أجرها بسبب توقف التحويلات وصعوبة السحب من الحسابات البنكية.
تقول شذى لـ"فلسطين": «لم يعد العملاء في الخارج مستعدين لتحمّل مخاطر الدفع في ظل هذا الواقع، فتوقفت المشاريع واحدًا تلو الآخر. كان هناك جهد، لكن بلا مقابل»، في توصيف لهشاشة العمل الحر في مناطق النزاع.
الاستقرار شرط مفقود
بالنسبة لعلي الزطمة (38 عامًا) من حي النصر غرب غزة، الذي يعمل مدرسًا للغة الإنجليزية عبر الإنترنت، كان الاستقرار الزمني شرطًا أساسيًا للاستمرار. تعتمد المنصات التعليمية الدولية على البث المباشر والتفاعل اللحظي مع الطلاب، وهو ما أصبح شبه مستحيل مع الانقطاعات الطويلة للكهرباء والإنترنت.
يقول علي لـ"فلسطين": «حاولت تعويض ذلك بتسجيل الدروس، لكن المنصة رفضت البدائل، قبل أن تُغلق حسابي نهائيًا». وخلال أشهر قليلة، انتقل من دخل ثابت إلى انعدامه تمامًا، واضطر إلى إعادة التفكير في مستقبله المهني.
ينهار بصمت
تعكس هذه الشهادات واقعًا أوسع يعيشه العاملون عن بُعد في غزة. فقبل الحرب، كان هذا القطاع يضم آلاف العاملين، ويوفّر دخولًا شهرية تراوحت في كثير من الحالات بين 600 و1100 دولار، وهو رقم مرتفع مقارنة بالمتوسط المحلي.
اليوم، تشير تقديرات اقتصادية وتقارير دولية إلى أن الغالبية الساحقة من هؤلاء فقدوا أعمالهم كليًا أو جزئيًا، في وقت تجاوزت فيه البطالة في غزة ثلاثة أرباع القوى العاملة، وفق منظمة العمل الدولية. ومع تعطل الاتصالات وقنوات الدفع، لم يعد العمل الرقمي شبكة أمان كما كان.
أثر يتجاوز المال
لم تتوقف تداعيات فقدان العمل عند حدود الدخل، إذ تحدث كثير من العاملين عن فقدان الإحساس بالهوية المهنية، وعن شعور بالعزلة بعد انقطاع صلتهم بالعالم الخارجي. فالعمل عن بُعد لم يكن مجرد وظيفة، بل مساحة لحياة طبيعية في واقع استثنائي.
ومع انهياره، اتسعت دائرة الاعتماد على المساعدات، وازدادت الضغوط النفسية والاجتماعية على فئة كانت، حتى وقت قريب، تُعد من الأكثر قدرة على الصمود اقتصاديًا.
في غزة، لم تحمِ الشاشات العاملين من آثار الحرب، ولم يكن الاتصال بالعالم كافيًا للنجاة من انقطاعه. فالعمل عن بُعد، الذي مثّل يومًا أملًا بالخروج من العزلة والبطالة، أصبح ضحية أخرى من ضحايا الحرب المستمرة.
وبينما يبقى مستقبل هذا القطاع معلّقًا على استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، يواصل آلاف الغزيين العيش على هامش سوق العمل العالمي، بانتظار اتصال لا ينقطع، وفرصة لا تُسحب فجأة.

