- مشروع ترامب في غزة يتحول إلى فشل سياسي وهشاشة المرحلة الاقتصادية الأولية
- المرحلة الثانية تواجه عقبات بنيوية وسياسية تحول دون إنهاء الحرب فعليًّا
أكد الخبير في الشؤون الأمريكية ماهر عبد القادر أن مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في غزة يواجه انهيارا هيكليا قبل أن يبدأ، مشددا على أن أي انتقال إلى "المرحلة الثانية" يتطلب إرادة سياسية لإنهاء الاحتلال، وهي إرادة غائبة في الواقع السياسي الحالي.
ويشير إلى أن الدور الأمريكي محصور في تسويق "سراب اقتصادي"، في حين تظل غزة ساحة لإستراتيجية الاستنزاف الإسرائيلية، ما لم تتغير موازين الضغط الدولية من التصريحات إلى أفعال حقيقية.
ويبين عبد القادر أن المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار الهش في غزة، ذات الطابع الإغاثي والاقتصادي، قد تستخدم لتخفيف الضغط الدولي مؤقتا، لكنها لا تشكل مدخلا لمسار سياسي فعلي، إذ تبقى سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على قرابة 50 في المئة من القطاع تحول أي مشروع إعادة إعمار إلى تحسين ظروف السجن الكبير، تحت إدارة أمنية إسرائيلية مباشرة.
معوقات المرحلة الثانية
ويؤكد عبد القادر في مقابلة مع صحيفة "فلسطين" أن "المرحلة الثانية" تواجه عقبات بنيوية وسياسية، تتمثل في عناد حكومة اليمين المتطرفة الحالية بقيادة نتنياهو، التي ترى استمرار الصراع وسيلة للبقاء السياسي، ولا تقبل أي تنازلات تؤدي إلى وقف دائم للحرب.
وكذلك في القيود الداخلية على ترامب، حيث يسيطر اللوبي الصهيوني على جزء كبير من القرار الأمريكي، والفريق الرئاسي المكون من صقور اليمين الأمريكي يتبنى رؤية متطابقة مع التوسع الأمني الإسرائيلي، ما يجعل أي ضغط أمريكي على تل أبيب شكليا ويهدف فقط لتسجيل انتصار سياسي سريع، لا لمعالجة جذور الصراع.
ومن بين العقبات أيضا، العجز الدولي وتناقض الخطاب، إذ يكتفي المجتمع الدولي بالإدانة اللفظية مع استمرار العلاقات العسكرية والتجارية مع إسرائيل، ما يضعف أي موقف ردعي ويحول مشاريع التهدئة إلى مجرد إطار مؤقت بلا مضمون سياسي.
سر لقاء فلوريدا
وعن سر لقاءترامب بنتنياهو في فلوريدا الاثنين الماضي، قال الخبير في الشؤون الأمريكية، إن اختيار فلوريدا لم يكن بروتوكوليا، بل يعكس إدراك نتنياهو لتراجع التأثير داخل مؤسسات الدولة الأمريكية، واستثماره في قاعدة ترامب السياسية لتأمين الغطاء السياسي، بعيدا عن المؤسسات الرسمية.
ويصف عبد القادر اللقاء بأنه إدارة أزمة سياسية لا مفاوضات حقيقية، إذ حصل نتنياهو على دعم دون التزام بأي جدول زمني أو آلية لتنفيذ المرحلة الثانية، متجاهلا ملف المساءلة الدولية.
ويشير الخبير إلى أن محاولات بعض مستشاري ترامب لممارسة ضغط فعلي على نتنياهو باءت بالفشل قبل أن تتحول إلى سياسة، وهو ما يعكس عجز الإدارة الأمريكية عن فرض خطتها رغم امتلاكها أدوات الضغط المتاحة، مثل المساعدات، والغطاء الدبلوماسي، ومجلس الأمن.
السيناريوهات الأمريكية المحتملة
ويتحدث عبد القادر عن أربعة سيناريوهات أمريكية مطروحة لمستقبل القضية الفلسطينية، كلها تعاني من هشاشة بنيوية:
الاول: إدارة انتقالية لغزة بإشراف دولي–إقليمي، دون سيادة حقيقية، والثاني: إعادة تأهيل السلطة الفلسطينية أمنيا دون منحها أفقا سياسيا، والثالث: فصل المسارات، غزة كملف إنساني، والضفة الغربية كمسألة أمنية، والرابع: تجميد الصراع بدلا من حله، بانتظار متغيرات إقليمية أو فلسطينية.
ويؤكد عبد القادر أن أي من هذه السيناريوهات لا يعترف بالحقوق الفلسطينية أو يعالج جذور الصراع، ما يجعلها حلولا مؤقتة قابلة للانفجار.
غزة والضفة.. سياسة واحدة
ويشدد على أن السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية متكاملة، وليست أزمات منفصلة، حيث يستمر الاستيطان والتهجير القسري في الضفة، في حين يركز العدوان في غزة على تدمير البنية التحتية واستهداف المدنيين.
ويوضح الخبير أن هذه السياسات تنتهك القوانين الدولية، وتندرج ضمن جرائم ضد الإنسانية وأركان الإبادة الجماعية وفق اتفاقيات روما وجنيف، مؤكدا أن العنف ليس رد فعل أمني، بل سياسة دولة ممنهجة.
يضيف أن ما يسمى بعنف المستوطنين ليس انفلاتا فرديا، بل ذراع ميدانية للسياسة الإسرائيلية، يمارس بحماية جيش الاحتلال، وتواطؤ الشرطة، وتشريعات تمنحه شرعية لاحقة، ما يوسع نطاق الإبادة البطيئة ويعمق تفكيك الجغرافيا الفلسطينية.
فشل أمريكي وصمت دولي
ويشرح عبد القادر أن فشل ترامب في إلزام نتنياهو بخطته يرسل رسالة واضحة: القانون الدولي قابل للتجاهل، والحديث عن حقوق الإنسان بلا قيمة عملية، والولايات المتحدة تتحمل مسؤولية مباشرة عن استمرار الأزمة.
ويشير إلى أن مذكرة التوقيف بحق نتنياهو تشكل زلزالا سياسيا وقانونيا، إذ تهدف إلى تحدي السردية الإسرائيلية التي طالما اعتمدت على الغطاء الغربي، وأن استمرار الحرب يُعد خط الدفاع الأخير عن استمرار الإفلات من المحاسبة.
ويؤكد أن صمت الولايات المتحدة وأوروبا لا يمثل فشلا أخلاقيا فحسب، بل إخلالا بالتزامات قانونية دولية، والاكتفاء بالبيانات دون أفعال يساهم في تعزيز الإفلات من العقاب.
وفيما يتعلق بالتصعيد الاسرائيلي في دول الإقليم، يرى عبد القادر أن التصعيد ضد لبنان وسوريا امتداد طبيعي للصراع الفلسطيني، حيث يستخدم كأداة لإشعال الجبهات وفرض واقع إقليمي، فيما يكتفي الغرب بالتحذير اللفظي دون أي رادع عملي.
ويشدد على أن أي مشاريع أمريكية مستقبلية، مهما تغيرت مسمياتها، ستظل قائمة على إطار اقتصادي–إنساني ضيق، مع إهمال الحقوق الوطنية الفلسطينية، ما يجعل الانتقال الحقيقي إلى المرحلة الثانية مستحيلا في ظل الظروف الراهنة.