قائمة الموقع

حين لا يُسمح للرجل أن يتعب: قراءة إرشادية في الصدمة الصامتة

2026-01-01T11:04:00+02:00
فلسطين أون لاين

في المجتمعات التي تعيش حروبًا طويلة الأمد، لا تقتصر الخسائر على الأرواح والبنية التحتية، بل تمتد إلى الصحة النفسية، حيث تتشكّل أنماط صدمة مزمنة يصعب رصدها أو الاعتراف بها. ومن أكثر هذه الصدمات خفاءً تلك التي يعيشها الرجال، حين يُتوقّع منهم الصمود الدائم، دون أن يُمنحوا حق التعب.

من منظور الإرشاد النفسي، لا يُعدّ الصمت علامة قوة حين يكون مفروضًا اجتماعيًا؛ فالرجل الذي يُجبر على كبت مشاعره – خوفه، حزنه، إحساسه بالعجز – لا يتجاوز التجربة الصادمة، بل يحملها معه في شكل أعراض غير مباشرة: توتر مستمر، نوبات غضب، انسحاب عاطفي، اضطرابات نوم، أو إنهاك نفسي طويل الأمد.

تكمن الإشكالية الأساسية في غياب الاعتراف النفسي بالمعاناة، فالصدمة التي لا تُسمّى، ولا يُعترف بشرعيتها، لا تجد مسارًا للتعافي، بل تتحوّل إلى عبء داخلي يتفاقم مع الوقت.

في السياق الغزّي، تتخذ هذه الصدمة بُعدًا أكثر تعقيدًا؛ فالرجل يعيش في بيئة تهديد مستمر، دون فواصل زمنية تسمح بالاستشفاء النفسي، وفي الوقت ذاته يُطالَب بالقيام بأدوار الحماية، والإعالة، وضبط الانفعالات.

هذا التناقض بين الضغط الداخلي والتوقع الخارجي يخلق ما يمكن توصيفه إرشاديًا بـ "الضغط النفسي المركّب".

إن إعادة تعريف مفهوم القوة النفسية لدى الرجال باتت ضرورة إنسانية ومهنية.

القوة، في الفهم الإرشادي الحديث، لا تعني الاحتمال غير المحدود، بل تعني القدرة على الوعي بالمشاعر، وتنظيمها، وطلب الدعم عند الحاجة.

إن الاعتراف بالحاجة إلى المساندة لا يُضعف الرجل، بل يحميه من الانهيار المؤجّل.

على المستوى الأسري، يشكّل المحيط القريب عامل حماية نفسي مهم.

فالإنصات دون أحكام، وتجنّب التقليل من المشاعر، والامتناع عن المقارنات، يوفّر للرجل مساحة آمنة للتفريغ الانفعالي، وهو شرط أساسي لأي عملية تعافٍ نفسي صحي.

أما على المستوى المجتمعي، فإن استمرار تمجيد "الصمود الصامت" يحرم الرجال من أحد أهم حقوقهم النفسية: "الحق في التعب".

دعم الصحة النفسية للرجال لا يُعدّ ترفًا، ولا قضية ثانوية، بل مدخلًا أساسيًا لاستقرار الأسرة، ونمو الأطفال، وتعافي المجتمعات الخارجة من الحروب.

في البيئات التي تستمر فيها الصدمة، يصبح الإرشاد النفسي تدخلًا وقائيًا بقدر ما هو علاجيًا.

فالرجل الذي يُحتوى نفسيًا اليوم، أقل عرضة للانفجار غدًا، وأكثر قدرة على الاستمرار دون أن يفقد ذاته أو علاقاته.

 ماذا نحتاج عمليًا؟

 على مستوى الأسرة:

توفير بيئة آمنة للتعبير، تشجّع الرجل على الحديث دون خوف من الوصم أو التقليل، وتطبيع مشاعر الخوف والحزن بوصفها استجابات إنسانية طبيعية.

 على مستوى المجتمع:

كسر الصورة النمطية التي تربط الرجولة بالكبت، وإدماج خطاب نفسي صحي في الإعلام، والخطاب الديني، والمجتمعي، يعترف بمعاناة الرجال دون تحميلهم شعارات إضافية.

 على مستوى المؤسسات الإنسانية والنفسية:

تطوير برامج دعم نفسي تستهدف الرجال بشكل مباشر، وتراعي خصوصية الصدمة المركّبة المرتبطة بالحرب، والاعتقال، وفقدان الدور.

 على مستوى المختصين في الصحة النفسية:

تبنّي مقاربات علاجية حسّاسة للسياق الثقافي، تراعي صعوبة التعبير لدى الرجال، وتعمل تدريجيًا على بناء الثقة، وتفكيك الصمت.

إن السماح للرجل بالتعب، وبالكلام، وبطلب الدعم، ليس تهديدًا للتماسك المجتمعي، بل خطوة أساسية نحو تعافٍ نفسي مستدام.

فحين نُعيد للرجل حقه في الإنسانية، نكون قد وضعنا حجر الأساس لتعافٍ حقيقي..

تعافٍ لا يُنكر الألم، ولا يُقدّس الصمت، بل يعترف بالإنسان أولًا.

اخبار ذات صلة