بعد أكثر من عامين على اندلاع معركة “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، واستمرار حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، تتكشف داخل المجتمع الإسرائيلي تحولات عميقة تتجاوز الميدان العسكري إلى البنية الديموغرافية والنفسية والاقتصادية، لعل أبرزها تصاعد ظاهرة الهجرة العكسية بوتيرة غير مسبوقة منذ نشأة الكيان. هذه الظاهرة، التي كانت تُعد هامشية أو مؤقتة في فترات سابقة، باتت اليوم مؤشراً مركزياً على تآكل مقومات “الدولة الآمنة” التي طالما روّجت لها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
في هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي الفلسطيني نزار جبر أن مغادرة هذه الأعداد الكبيرة من الإسرائيليين تُعد الأكبر في تاريخ الكيان، معتبراً أن عملية “طوفان الأقصى” شكّلت ضربة مباشرة لمبدأ الأمن، وهو أحد الأعمدة الأساسية التي قامت عليها “إسرائيل”.
ويشير جبر، في حديثه لـ "فلسطين أون لاين"، إلى أن الحروب السابقة، رغم قسوتها، كانت تُدار خارج حدود الكيان، بينما جاء هجوم السابع من أكتوبر ليكسر هذه القاعدة، وينقل المواجهة إلى قلب المجتمع الإسرائيلي، الأمر الذي أحدث صدمة نفسية عميقة لا تزال تداعياتها مستمرة.
ويرى جبر أن إطالة أمد الحرب، واتساع نطاقها، ساهما في تعميق حالة القلق وفقدان الشعور بالأمان لدى الإسرائيليين، ما دفع أعداداً متزايدة منهم إلى البحث عن بدائل خارج البلاد.
ويؤكد أن نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين، لا سيما من حملة الجنسيات المزدوجة، قد لا تعود مجدداً، بل إن بعضهم قد يتنازل عن الجنسية الإسرائيلية تحت وطأة الانتقادات والضغوط التي يتعرض لها في الخارج، بسبب الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها جيش الاحتلال بحق الفلسطينيين خلال حرب الإبادة على غزة.
ويُرجع جبر دوافع الهجرة العكسية إلى جملة من الأسباب المتراكمة، في مقدمتها فقدان الثقة بالنظام السياسي، وتفاقم النزاعات الداخلية، وتراجع الإحساس بالأمن الشخصي والجماعي.
كما يشير إلى أن الشعور بانعدام العدالة الاجتماعية وتقاعس الحكومات الإسرائيلية عن معالجة قضايا جوهرية، فاقم من حالة الإحباط لدى قطاعات واسعة من المجتمع، ودفعها إلى اتخاذ قرار الهجرة باعتباره خياراً وجودياً لا مجرد خطوة مؤقتة.
هذه القراءة تتقاطع مع ما خلص إليه المختص في الشأن الإسرائيلي أحمد الدبش، الذي يرى أن عملية “طوفان الأقصى” وما تلاها من حرب مفتوحة على غزة تركت آثاراً بنيوية عميقة على المجتمع الإسرائيلي، خصوصاً في ما يتعلق بالهجرة العكسية.
ويوضح الدبش، لـ"فلسطين أون لاين"، أن عام2025 شهد مغادرة نحو 84 ألف شخص لإسرائيل بشكل نهائي، وأن الغالبية العظمى من هؤلاء ينتمون إلى فئات النخبة، من أطباء مرموقين، ومهندسين، وأصحاب رؤوس أموال.
ويشير الدبش إلى أن قسماً من هذه النخب بدأ بنقل أمواله إلى الخارج مع انطلاق ما يُعرف بالانقلاب القضائي، فيما اتخذ آخرون قرار المغادرة بعد العدوان الواسع على قطاع غزة، في ظل تصاعد المخاوف الأمنية وتراجع الاستقرار الداخلي.
ويضيف أن أعداد العائدين من بين هؤلاء المهاجرين كانت محدودة للغاية، وغالباً ما اقتصرت على أفراد من المعسكر الليبرالي المعارض لليمين ولرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذين يرون أن سياساته تقود “إسرائيل” إلى الهاوية.
ويؤكد الدبش أن التراجع الحاد في معدلات العودة يُعد مؤشراً واضحاً على تآكل صورة “الملاذ الآمن” في الوعي الجمعي الإسرائيلي، موضحاً أن قرار الهجرة لم يعد يُفسَّر في سياق اقتصادي أو مهني فقط، بل بات في جوهره استجابة أمنية ونفسية للأحداث المتسارعة التي أعقبت السابع من أكتوبر.
ومع اتساع رقعة التوترات الإقليمية، وتعدد جبهات القتال، وتفاقم الشعور بعدم الاستقرار، بدأت هذه الظاهرة تأخذ شكل تحول بنيوي طويل الأمد في ديمغرافيا الدولة، ما يثير تساؤلات عميقة حول مستقبلها الاجتماعي والاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
ويستعرض الدبش طبيعة هذه الموجة من الهجرة، موضحاً أنها مرت بمرحلتين رئيسيتين؛ الأولى أعقبت مباشرة عملية “طوفان الأقصى”، وتميزت بما يمكن وصفه بـ“الصدمة الجماعية”، حيث تزامن الخوف الأمني مع التعبئة العسكرية الواسعة، وشعور الأسر بانعدام الاستقرار، ما دفع كثيرين إلى مغادرة البلاد في إطار ما يشبه “الهجرة الوقائية”.
أما المرحلة الثانية، التي امتدت من ربيع 2024 حتى صيف 2025، فقد اتسمت بطابع أكثر استقراراً، إذ تحوّل الخروج إلى خيار استراتيجي واعٍ لدى فئات معينة، خصوصاً المهنيين والعائلات الحضرية، بحثاً عن نمط حياة أكثر استقراراً وفرص أفضل للعمل والتعليم في الخارج.
وتتلاقى هذه التحليلات مع ما كشف عنه تقرير مركز “تاوب” لبحوث السياسات الاجتماعية، الذي أشار إلى انقلاب تاريخي في اتجاهات الهجرة، مع تسجيل صافي هجرة سلبية منذ عام 2023، وتعمقها في 2024 و2025.
ووفق التقرير، تجاوز عدد المغادرين عدد الوافدين بعشرات الآلاف، في وقت انخفض فيه معدل النمو السكاني إلى أقل من 1% للمرة الأولى في تاريخ الكيان، ما يعكس عمق الأزمة الديموغرافية المتشكلة.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى تصاعد الهجرة العكسية من “إسرائيل” باعتباره ظاهرة عابرة أو مرتبطة بحدث واحد، بل هو نتاج تراكمي لأزمات أمنية وسياسية واجتماعية تفجّرت على نحو غير مسبوق بعد “طوفان الأقصى” واستمرار حرب الإبادة على غزة.
وبينما يرى نزار جبر أن هذه التحولات تعكس انهياراً متدرجاً في ركائز المشروع الصهيوني، يؤكد أحمد الدبش أن المجتمع الإسرائيلي يواجه اليوم أزمة ثقة عميقة في الحاضر والمستقبل، قد تكون تداعياتها أبعد أثراً مما تظهره الأرقام وحدها.