تصعد أذرع الاحتلال هجمتها التهويدية في كل المناطق الفلسطينية المحتلة، ولا تقف هذه الهجمة عند حدّ معين، فعلى أثر أكثر من عامين من حرب الإبادة، وما شهده قطاع غزة من مجازر مروعة، تسعى الحكومة الصهيونية الحالية إلى إنهاء المظاهر الإسلامية في الأراضي المحتلة، والعمل على حصارها، من خلال قوانين في "الكنيست" الإسرائيلي، وهي قوانين تكشف عن الوجه الحقيقي لهذا الكيان، وتأتي في سياق سلسلة من القوانين المجرمة، ابتداءً بقانون "إعدام الأسرى" الفلسطينيين، وصولًا إلى محاولة حظر الأذان، ولا شك بأن هذه العقلية ستتفتق لاحقًا عن قوانين أكثر، متشابهة في القبح والاستعلاء، تؤكد في كل مرة صورة هذا الكيان القميء، الذي لا يريد أن يراه العالم.
وفي سياق الحديث عن قانون حظر الأذان، لم تكن المحاولة الحالية هي الوحيدة، فقد سعت أذرع الاحتلال في عام 2016، إلى إقرار قانون في "الكنيست"، يحاصر صوت الأذان في القدس المحتلة، والأحياء الفلسطينية القريبة من المستوطنات، وعلى الرغم من إقراره بالقراءة الأولى حينها، إلا أنه لم يتحول إلى قانون نافذ، إلا أن أذرع الاحتلال عادت إلى طرح القانون في الأسابيع الماضية.
وخلال الأسبوع الماضي كشفت مصادر إعلامية أن وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، يعمل بالتعاون مع رئيس لجنة الأمن القومي في "الكنيست"، على صياغة قانون يقوم على مبدأ "الحظر كقاعدة عامة والتصريح كاستثناء"، بحيث يمنع تشغيل مكبرات الصوت في المساجد إلا بعد الحصول على تصريح خاص.
ويشترط مشروع القانون فحص مجموعة من المعايير قبل منح هذه التصاريح، من بينها قوة الصوت ووسائل الحد منه، وموقع المسجد وقربه من المناطق السكنية، ومدى تأثير الصوت على السكان. وينص مشروع القانون على أنه "لن يُقام ولن يُشغَّل أي نظام مكبرات صوت في مسجد من دون تصريح، على أن يرافق اقتراح حزب "القوة اليهوديّة"، التزام بتشديد الرقابة وفرض غرامات باهظة"، وبحسب المقترح "سيكون الأصل هو حظر تشغيل مكبرات الصوت، فيما يُنظر في منح التصريح وفق معايير تشمل شدة الضجيج، والوسائل المتاحة للحد منه، وموقع المسجد، وقربه من المناطق السكنية، وتأثير الصوت على السكان". وفي "حال مخالفة القواعد، يحق للشرطي أن يوقف التشغيل فورا"، وفي حال استمرار المخالفة يمكن "مصادرة مكبرات الصوت وفرض غرامة تصل إلى عشرات آلاف الشواكل".
وفي استقراء للمخاطر المترتبة عن هذا القانون، *يشكل "قانون حظر الأذان" خطوة تصعيدية بالغة الخطورة، إذ يستهدف واحدًا من أبرز الرموز الدينية الإسلامية في الأراضي المحتلة، وهو ما يعني تصعيد الهجمة التهويديّة لتمتدّ إلى رموز الهوية لدى الفلسطينيين* في المناطق المحتلة، وتُشير التجارب السابقة مع الاحتلال، إلى أن قدرة أذرعه على المضي قدمًا في تطبيق القانون داخل الأراضي المحتلة عام 1948، ستفتح المجال أمام توسيع تطبيقه ليشمل مدينة القدس المحتلة، وغيرها من المناطق التي تفرض عليها أذرع الاحتلال سيطرتها الأمنية المباشرة، وهو ما يؤكد أن القانون يستبطن في تفاصيله فكرة توسيع تطبيقه.
ويُعدّ هذا القانون حلقة جديدة من سلسلة تشريعات قانونية تستهدف الفلسطينيين، وتبرز الوجه الحقيقي للكيان، ابتداءً بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وصولًا إلى حظر الأذان، ومن أبرز البنود الخطيرة في النص المقترح للقانون، بأنه يقوم على مبدأ "الحظر كقاعدة عامة والتصريح كاستثناء"، ما يعني عمليًا تجريم الأذان برمته، إن كان يسبب كما يدعي حزب بن غفير الإزعاج للسكان أو لا، وهو ما يُشير إلى تجريم ممارسة هذه الشعيرة الدينية، وتحويلها إلى "ممارسة مشروطة"، مرتبطة بالموافقات الأمنية الإسرائيلية.
وهو ما يظهر جليًا في سياق منح الشرطة والجهات التنفيذية صلاحيات وقف الأذان فورًا، ومصادرة مكبرات الصوت، وفرض غرامات باهظة تصل إلى عشرات آلاف الشواكل، ما يؤكد أن الهدف الحقيقي من القانون، فرض المزيد من القيود على الفلسطينيين، وتشديد الرقابة القسرية على الفضاء الديني الإسلامي، وما يتصل بهذا التشديد من فتح المجال أمام سلسلة لا تنتهي من التدخلات الأمني المباشرة، والتي تبدأ تحت ستار إيقاف الأذان، ولا تقف إلا بفرض المزيد من القيود التهويديّة، التي يمكن أن تشمل الأئمة وخطباء المساجد، وغيرها، ما يعطل إقامة الشعائر برمتها، وليس الأذان فقط.
إضافًة إلى أن ربط منح التصاريح بمعايير فضفاضة، مثل تأثير الصوت على السكان أو قرب المسجد من المناطق السكنية، أي أن القانون يوفّر غطاءً قانونيًا لاستخدامه بشكلٍ انتقائي وعنصري ضد المساجد في المناطق الفلسطينية في 48، وستلحق بها القدس كخطوة لاحقة، بناء على سلوك الاحتلال في سنوات سابقة. وتكمن خطورة هذا القانون بأنه سيشكّل جزءًا من منظومة أوسع تستهدف تهويد الأراضي المحتلة، وفي القلب منها مدينة القدس المحتلة، وتفريغها من مظاهرها الإسلامية، ضمن مسار متكامل من القوانين والإجراءات القمعية، وهي اعتداءات تصاعدت بشكلٍ كبير في العامين الماضيين، إن من خلال العدوان على الأقصى، أو العدوان على مساجد القدس وخطباء المدينة، وغيرها.
في المحصّلة، لا يمكن قراءة "قانون حظر الأذان" بمعزل عن السياق التهويدي العام، الذي يحكم سياسات الاحتلال، إذ تستحث أذرع الاحتلال الخطى لفرض المزيد من الإجراءات على أرض الواقع، بالتوازي مع إقرار القوانين الإقصائية والعنصرية، لتشكل هذه المروحة أدوات جديدة لقمع الفلسطينيين، والتضييق على حياتهم، وهي ستعزز قدرة الاحتلال على إعادة تشكيل الفضاء العام، ومحو الرموز الدينية والثقافية الفلسطينية بشكلٍ متدرج.