قال الدكتور باسم قاسم، مسؤول التوثيق والمعلومات في مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، إن الاحتلال الإسرائيلي، برفضه إدخال الآليات والمعدات الثقيلة إلى قطاع غزة، يعرقل أعمال توثيق الإبادة الجماعية، معتبرًا ذلك استكمالًا للتدمير والاستهداف الممنهج من الاحتلال للمنظمات الإنسانية وأطقمها الميدانية، بهدف حرمانها من توثيق جرائمه بحق المدنيين الفلسطينيين.
وأكد قاسم لصحيفة "فلسطين" أن قدرة الاحتلال الإسرائيلي على طمس الحقائق وتحريفها لصالحه، عبر دعايته المضادة والتدمير الممنهج لكل ما هو حي أو جامد داخل قطاع غزة، أضعفت قدرة المنظمات المختصة على الوصول إلى المواد التوثيقية.
وأشار إلى أن توثيق الإبادة الجماعية في غزة يتطلب عمليات بحث ميدانية للكشف عن المقابر الجماعية وجثث الشهداء، لا سيما تلك التي دفنها جيش الاحتلال، أو التي لا تزال تحت الأنقاض جراء تدمير المنازل والمباني على رؤوس أصحابها.
وتابع: "تحتاج عملية البحث، قبل كل شيء، إلى معدات ثقيلة (جرافات، رافعات، أجهزة رصد وتعقب، وكلاب مدربة على البحث عن الآثار البشرية)، وكل ذلك غير متوفر في قطاع غزة بسبب الرفض الإسرائيلي والمعوقات التي تحول دون إدخال هذه المعدات والتجهيزات، تنفيذًا لاتفاق وقف إطلاق النار".
تدمير ممنهج
التدمير والاستهداف الممنهج من الاحتلال الإسرائيلي للمنظمات الإنسانية وأطقمها الميدانية، فضلًا عن استهداف مكاتبها ومستودعاتها وقواعد بياناتها، أسهم - وفق قاسم - في حرمان تلك المؤسسات من توثيق الجرائم والمجازر الجماعية في غزة. لا سيما أن الاحتلال استهدف الإدارات والوزارات الفلسطينية العاملة في القطاع.
وأضاف قاسم أن "تلك المؤسسات تعد مصدرًا مهمًا في رصد وتوثيق المعلومات، خصوصًا أعداد الشهداء والجرحى والمفقودين، إلى جانب إحصاء الدمار في البنى التحتية والمباني السكنية والمؤسسات والمزارع وغيرها".
كما أن مدى قدرة المواطن في غزة على رفد هذه المؤسسات بالمعلومات الصحيحة والدقيقة بات محدودًا، لا سيما مع حالة النزوح المتكررة التي عاشها الفلسطينيون في القطاع على مدى أكثر من 16 شهرًا من العدوان.
آليات التوثيق
وأوضح قاسم أن عملية التوثيق تبدأ من الحدث نفسه، ومدى أهميته وأبعاده وانعكاساته. وتشمل عملية الرصد وتجميع المواد الموثقة كل ما هو متاح، سواء شهادات ميدانية، توثيق بالفيديو، أو أخبار وتقارير عن جرائم موثقة بطريقة صحيحة.
وأشار إلى أن التوثيق الورقي والإلكتروني هما الأكثر انتشارًا، وأصبح الاعتماد عليهما محوريًا في هذا المجال.
وأقر قاسم بوجود بيئة غير مواتية لرصد العديد من حالات الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بسبب طبيعة الحرب والأطراف الداعمة للاحتلال الإسرائيلي.
ورأى أن الصراع الطويل مع الاحتلال والطبيعة الإجرامية لهذا الكيان، أكسبا الجانب الفلسطيني خبرات عملية وميدانية مهمة في توثيق الجرائم، لكنه يؤكد وجود معوقات تحد من قدرة الفلسطينيين على أداء هذا الجهد بالطريقة المثلى.
معوقات التوثيق
من بين أبرز معوقات التوثيق، يشير قاسم إلى الحصار المفروض على قطاع غزة وانعزاله عن العالم الخارجي خلال السنوات الماضية، ما أضعف قدرة المنظمات المحلية والمؤسسات الحكومية على مواكبة العمل التوثيقي بالشكل المطلوب.
كما أن المؤسسات الفلسطينية بحاجة إلى دعم مالي وفني ولوجستي، إضافة إلى الخبرات الميدانية والاعتراف الدولي، وهو ما تتمتع به منظمات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية التابعة للاتحاد الأوروبي.
وينوه إلى أن المؤسسات الدولية، بفضل إمكانياتها ومكانتها، تمتلك القدرة على التعامل مع أحداث بحجم الحرب والإبادة الجماعية في غزة.
تواطؤ دولي
وعبر قاسم عن أسفه لانسحاب المنظمات الدولية من غزة مع بداية الحرب، قائلًا: "معظم تلك المنظمات، التي كان من الممكن أن تكون طرفًا فاعلًا ومؤثرًا وموثوقًا في عمليات توثيق المجازر والإبادة الجماعية، اختفت كليًا من المشهد عند بداية الحرب، وأغلقت مكاتبها وسحبت موظفيها، ما أسهم في حجب الكثير من الأدلة عن الرأي العام الدولي".
ورغم نقص الإمكانيات المحلية وانسحاب معظم المنظمات الدولية، يؤكد قاسم أن ما تم توثيقه خلال الحرب على غزة، من فيديوهات، وتصريحات قادة الاحتلال، وتسجيلات جنود الاحتلال لجرائمهم، بالإضافة إلى تقارير المنظمات الدولية، يشكل مادة مهمة كأدلة موثقة.
إلى جانب ذلك، تُعد الشهادات الحية من الناجين وأقرباء الضحايا والأسرى المحررين مصدرًا موثوقًا يعزز هذه الأدلة.
ويكمل: "إن الشواهد والأدلة المتوفرة تساهم في تشكيل ملفات جرائم مكتملة الأركان وإبادة واضحة المعالم والدوافع، والتي ستعود إليها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وأي لجان تقصٍّ للحقائق تُشكل مستقبلًا".