أثارت خريطة "مملكة إسرائيل الكبرى"، التي نشرتها وزارة خارجية الاحتلال عبر حسابها الرسمي "إسرائيل بالعربي"، موجة غضب عارمة في الدول العربية. إلا أن آراء الخبراء والمحللين السياسيين انقسمت حول مدى أهمية هذا الموقف العربي، وما إذا كان سيقتصر على التنديد والاستنكار أم سيترجم إلى إجراءات جادة لمواجهة الأطماع الإسرائيلية التوسعية في المنطقة.
الخريطة، التي نُشرت الأسبوع الماضي، تشمل أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بالإضافة إلى أراضي من الأردن وسوريا ولبنان، مما يعيد إلى الأذهان فكرة "إسرائيل الكبرى" الممتدة من البحر إلى النهر.
خريطة تهدد المنطقة بأكملها
يرى المحلل السياسي اللبناني يوسف هزيمة أن هذه الخريطة تمثل خطراً جسيماً ليس على فلسطين فحسب، بل على جميع الدول العربية والإسلامية. ويشير في حديث لـ "فلسطين أون لاين"، إلى أن الأطماع الإسرائيلية الواردة في الخريطة ليست جديدة، بل هي جزء من العقلية الإسرائيلية التوسعية منذ قيام الكيان الإسرائيلي على أنقاض فلسطين.
ويضيف هزيمة لصحيفة "فلسطين" أن (إسرائيل) نجحت في تحقيق جزء من أهدافها بإنشاء كيانها على أراضٍ فلسطينية ومناطق مجاورة، وهي تسعى الآن لتعزيز أطماعها مستغلةً الوضع العربي المتردي.
حلم التوسع من الفرات إلى النيل
من جانبه، يؤكد الكاتب السياسي الأردني د. ماجد الخواجا أن الكيان الإسرائيلي يحمل منذ نشأته حلمًا بتوسيع حدوده الجغرافية لتمتد من الفرات إلى النيل. ويشير في حديث لـ"فلسطين أون لاين"، إلى أن (إسرائيل) تعيد طرح هذا الحلم التوسعي في مفاصل سياسية معينة، خاصة في ظل الدعم الأمريكي الأعمى لرغباتها التوسعية تحت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي لم يتردد في التصريح بأن مساحة الكيان الحالية غير كافية ويجب ضم أراضٍ جديدة إليه.
ويرى الخواجا أن التلاعب بخرائط دول المنطقة يمثل أداة لقياس ردود الفعل العربية، تمهيداً لبناء خطط توسعية جديدة.
ضعف النظام العربي
وتعتقد الباحثة في التاريخ الحديث والمعاصر د. نائلة الوعري أن حكومة الاحتلال الإسرائيلية، بدعم أمريكي، قادرة على تغيير خريطة الشرق الأوسط، خاصة في ظل ضعف النظام العربي الرسمي الذي يبدو وكأنه مجرد متلقٍ ومنفذ.
وتوضح الوعري لـ"فلسطين أون لاين"، أن الخريطة الجديدة تهدف إلى تقسيم دول المنطقة، حيث تقترح تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، وتطبيق نفس النهج على سوريا، ثم الانتقال إلى تقسيم مصر والسعودية. كما تشير إلى تغييرات محتملة في الوصاية الهاشمية على القدس، ودمجها مع الأماكن الدينية في الحجاز، وصولاً إلى تصفية القضية الفلسطينية وتوطين اللاجئين في الأردن، مع إجراء تغييرات جذرية في النظام السياسي الأردني.
خريطة لاستعادة الهيبة المفقودة
في المقابل، يرى المحلل السياسي المصري طلعت طه أن الخريطة ليست سوى محاولة إسرائيلية لاستعادة الهيبة المفقودة بعد الهزيمة التي مني بها الاحتلال في السابع من أكتوبر 2023 على يد المقاومة الفلسطينية. ويشير لـ"فلسطين أون لاين"، إلى أن (إسرائيل) تحاول من خلال نشر الخريطة إيهام العالم بأنها ما زالت قوية وقادرة على التوسع، رغم الخسائر الفادحة التي تكبدها جيشها في غزة.
ويؤكد طه أن الهدف من الخريطة هو تشتيت الانتباه عن الجرائم الإسرائيلية في غزة وعن الخسائر الكبيرة التي يتكبدها الاحتلال في مواجهة المقاومة الفلسطينية.
تشكيك في جدية الموقف العربي
في قراءتهم للموقف الرسمي العربي، يبدي الخبراء تشككاً في جدية الأنظمة العربية في التعامل مع النوايا الإسرائيلية التوسعية. ويعتقد طلعت طه أن الدول العربية تدرك غدر الاحتلال وعدم أمانه، ولذلك فهي تتخذ استعدادات لمواجهة أي تهديدات قد تصدر عن تل أبيب.
لكن يوسف هزيمة يستبعد أن تتخذ الأنظمة العربية إجراءات فعلية لمواجهة الخريطة الإسرائيلية، مشيراً إلى أن موقفها من المجازر في غزة يدل على عجزها وترددها.
ويؤكد الخواجا أن المشهد العربي في أضعف حالاته، مما يسهل على (إسرائيل) الاستفراد بكل دولة على حدة. ويشدد على أن المطلوب عربياً هو إدراك حجم التهديد الذي تمثله هذه الخريطة، معرباً عن خشيته من عدم امتلاك الأنظمة العربية لهذا الإدراك.
في النهاية، يرى هزيمة أن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على الشعوب العربية وروح المقاومة المتجذرة فيها. ويؤكد أن التعويل يجب أن يكون على الشعوب التي تخوض مقاومة حقيقية في غزة ولبنان وغيرها من الساحات. وتتفق د. نائلة الوعري مع هذا الرأي، مؤكدة أن وقف التغييرات الإسرائيلية في المنطقة مرهون برفض الشعوب والمقاومة الشعبية.