قائمة الموقع

مجزرة "رفح" .. ليلة دموية عاشها المواطنون والنازحون

2024-02-12T18:33:00+02:00
صورة لعائلة ناجية من الغارات الأخيرة على رفح

على مدار ساعة كاملة لم تتوقف الطائرات الإسرائيلية المروحية من إطلاق النار على منازل المواطنين، ولم تتوقف الطائرات الحربية من إلقاء صواريخها على المنازل في محافظة رفح عندما أشارت الساعة إلى الثانية فجر الاثنين الموافق 12 فبراير/ شباط الجاري، مخلفة مجزرة دموية ودمارًا هائلًا خاصة في مخيم "يبنا" وسط المحافظة استشهد خلالها أكثر من 67 مواطنًا.

بملامح الصدمة كان إمام مسجد الهدى عائد أبو حسنين يشاهد الدمار الذي طال المسجد، وحوله إلى ركام، ومن حوله وبذات الملامح يعاين الناس الدمار الذي طال جميع المنازل الملاصقة والمحيطة بالمسجد واستشهد خلالها نحو 12 مواطنًا، وكأن زلزالا أصاب المكان.

أحدث القصف فتحات كبيرة بواجهة المسجد، وانهارت طبقات المسجد، واكتست أرضيته الحمراء بلون الرماد وجدرانه باللون الأسود، ورغم مرور عدة ساعات على انتهاء القصف كان الدخان يتصاعد من المكان، وأصبحت المنازل المحيطة به والتي لا يفصلها عن المسجد سوى عدة أمتار بلا واجهة بعدما تضررت بفعل القصف.

رهف تبكي والدها

مع إلقاء الصاروخ الأول على المسجد، احتمت الطفلة رهف (12 عامًا) هي وأشقاؤها في حضن والدهم هشام الطويل الذي حاول تهدئتهم وإبعادهم عن النوافذ، عندما لم يعهد الأطفال أصوات القصف المرعبة من قبل في لحظة أضاء الوميض الأحمر سماء المنطقة، ولم تمر ثوان عديدة قبل أن يهتز المنزل وتتطاير نوافذه وتنقطع إضاءة الطاقة البديلة (ليدات) بعد إستهدافات متتالية للمسجد والمنازل المجاورة.

تقف الطفلة أمام مدخل منزلها، ومن خلفها يحاول الجيران إزالة ما يمكن إزالته من ركام منازلهم، يتدفق الحزن من صوتها والدموع من عينيها تقول لصحيفة "فلسطين": "غرقنا في ظلام دامس لنحو نصف ساعة بعد انقطاع الإضاءة، كنا ننادي على أبي ولم يكن يرد علينا، وعندما توقف القصف أشعلت مصباح الهاتف ونظرت لأبي وكان ملقى على الأرض وحوله بقعة دماء بلا حركة، واستشهد بفعل شظية أصابت رأسه".

لم تتخيل الطفلة أن يحل الصباح ووالدها غير موجود في منزلهم، تعيش الفقد في أوج طفولتها، بعد ليلة دامية ستظل محفورة في ذاكرتها، كان العديد من الآباء في المنازل المجاورة يقومون بأعمال إزالة الركام مع أولادهم بينما تستقبل هي وأشقاؤها المعزين وتعيش صدمة الفقد وتدمير المنزل.

بجوار منزلها، كان مصطفى أبو سليمة وأطفاله يقومون بإزالة الركام من منزله المكون من طابقين، في الأعلى يقوم الأطفال بالتناوب على رفع الحجارة ورميها للأسفل وكنس الرمال، بينما يقوم الأب بمحاولة إزالة الركام من صدر البيت، وقبل ساعات كان جميعهم يتجمعون في زاوية المنزل لا يصدقون أنهم الآن أحياء.

أصبحت جدران المنزل مكشوفة للشارع بعدما أحدث القصف فتحات كبيرة في الجدران، يقول أبو سليمة عن الحدث: "تفاجأنا بالقصف، ففتحت باب المنزل وابتعدت قليلا فتجدد القصف للمسجد. أغلقت الباب ودخلت المنزل وبدأت أجزاء من الطابق الثاني تنهار علينا".

نجى أبو سليمة هو وأطفاله بأعجوبة من موت محقق، "كان صوت القصف غير عادي، ولم يسبق لي أن سمعت هذا الصوت أو شاهدت دمار مماثل حاولت تهدئة أطفالي بأننا سنكون بخير رغم حجم الرعب الذي عاشوه، وفي الصباح تفاجاؤا من الدمار في المنزل الذي كانوا فيه ومن الدمار في المنازل المحيطة" يحرك بقية التفاصيل بصوت ممزوج بالصدمة.

تأسس مسجد الهدى عام 1952 ويمتد على مساحة 1200 متر مربع، وهو وفق إمامه عائد أبو حسنين أحد المساجد المركزية بالمحافظة وخرج عشرات العلماء ومئات الحفظة للقرآن الكريم.

قصف المسجد رسالة يعتبرها أبو حسنين أنها حرب على الدين والإسلام بعد تدمير مئات المساجد في قطاع غزة، ورغم ذلك يؤكد، أنهم سيبنون المسجد ليبقى "منارة شامخة ترفع فيه الآذان مرة أخرى.

وقال وهو يشير نحو الدمار الذي لحق بالمسجد بعبارات ممتلئة بالحزن: "لم يبق شيء حتى كتاب الله لم يسلم من قصفهم وأذيتهم، لأجل أنه تقام هنا الصلاة ويرفع الآذان".

انتشال جثامين

لحظة وصولنا كانت طواقم الدفاع المدني وأفراد من الجيران يحاولون انتشال الجثمان الخامس لعائلة العويضة، وبعد بحث وحفر بين الردم تعالت صيحاتهم عندما عثروا على يد المواطن محمود عويضة (55 عامًا) مدفونة بين الردم وعالقًا تحت سقف المنزل الذي انهار عليه ويغطي جسده ملاءة في مشهد يوحي أنه كان نائمًا لحظة القصف وانهيار المنزل عليه.

باستخدام أدوات يدوية ومقصات آلية قام أفراد الدفاع المدني بمساعدة الجيران أيضًا بتكسير حجارة أجزاء من السقف المنهار عليه وقص الحديد، ورفع الركام في محيط جسده، وبعد أكثر من ساعة من العمل المضني والمتواصل، رفعوا الجزء العلوي من جسده ثم أكملوا المهم بتحرير قدمه العالقة تحت كومة ركام أيضًا وأخرجوا جثمانه ليتحلق بزوجته سارة وأبنائه الشهداء أمنية (18 عامًا) وأسماء (30 عامًا) وإبراهيم (25 عامًا).

الشاب محمود الطويل الذي يسكن بجوار منزل عويضة، كان لحظة القصف يجلس فوق سطح منزلهم، فتحول المساء الهادئ في لحظة إلى مشهد مرعب يجثم على ذاكرته حتى الآن: "تفاجأت من أصوات القصف المتواصل، عشنا لحظات مرعبة جدًا، كان القصف مجنونًا من الطائرات الحربية والمروحية حتى الطائرات المسيّرة (كواد كابتر)، نزلت من المنزل ورأيت دمارًا كبيرًا في بيوت الجيران".

على بعد نحو كيلو متر من مسجد الهدى، ولحظة محاولة النازح عبد الرحمن النجار حماية أطفاله داخل خيمتهم التي أقاموها بعد نزوحهم من مدينة خان يونس، أصابته شظايا القصف العشوائي الذي طال أجزاء عديدة من المحافظة خلال أكثر من خمسين غارة شنها الطيران الإسرائيلي على المحافظة، استشهد النجار بينما أصيب أطفاله نتيجة الشظايا التي وصلتهم.

داخل مستشفى الكويتي التخصصي كان ابنه الطفل يامن (4 سنوات) يمسك بالونًا أبيض اللون ويلف جبينه شاش أبيض وتملأ وجهه الجروح يلوه في البالون ويحاول اللعب مع أشقائه الذين لم يبادلوه اللعب ربما كانوا أكثر إدراكًا منه لما جرى، ويتمدد بجواره شقيقه المصاب بجروح طفيفة أدهم (12 عامًا) وتجلس بجوارهم شقيقتهم غزل، لا يعملون أن والدهم استشهد.

بصوت خافت كان عمهم أحمد النجار يروي التفاصيل السابقة لصحيفة "فلسطين" محاولًا عدم إيضاح التفاصيل للأطفال الذين أخبرهم أن والدهم مصاب، رغم أن العائلة قامت بدفنه الساعة السابعة صباحًا، ولا زال الأطفال ينتظرون عودة والدهم ويسألون عن سبب تأخر وصوله، ويطالبون بالذهاب عندهم.

مثلت مجزرة رفح التي استشهد فيها أكثر من 67 مواطنًا صورة مصغرة لمجزرة دموية كبيرة ستحدث في حال أقدم الاحتلال على اجتياح المدينة التي تأوي أكثر من مليون و400 ألف نازح وسط تحذيرات من تداعيات إنسانية وكارثية في أحال أقدم الاحتلال على تنفيذ تهديداته.



 

اخبار ذات صلة