فلسطين أون لاين

تقرير الشهيد محمود جراد.. "سائق ديلفري" لم يصل إلى محطته الأخيرة

...
الشهيد محمود جراد
طولكرم - غزة/ يحيى اليعقوبي:

حاصر الخوف قلب والد محمود جراد (23 عامًا) من مخيم طولكرم. توقفت الكلمات لحظة، وكأن القلق أوثق لسانه وأزال معه القدرة على التعبير، في حين كان يستمع إلى المتصل الذي أيقظه من نومه يوم الجمعة الماضي: "ابنك محمود تصاوب، تعال إلى المستشفى". لم يترك له مؤشرًا يطمئن نفسه بشأن مصير ابنه، فتركه يواجه هذا الواقع الصعب بمفرده.

بعد انتهاء المكالمة اندفع نحو المشفى، لكن ذهنه احتلته أفكار وسيناريوهات كثيرة. في لحظات الهرولة، غمرته تلك الأفكار والتساؤلات المخيفة بشأن مصير ابنه، فقد كانت "الشهادة" تظهر كاحتمال قريب وقاسٍ، حتى وصل إلى المشفى وشاهد ابنه مسجى بدمائه على سرير غرفة الطوارئ. وقف يتجرع مرارة الفقد بنفسه ووضع نقطة النهاية على خبر أخفاه عنه المتصل حتى لا يتلقى الصدمة دفعة واحدة، فتساقطت دموعه على جثمانه وهو يعانقه ويضمه في لقاء الوداع.

تجلت عبارات التعازي من أعماق الجيران والأقارب، حيث أغرقت دموع الحزن والألم أعينهم. وفي محاولة لمنح والد محمود الدعم والصبر، يربت أحدهم على كتفه: "ادعيله بالرحمة"، ثم يتبع ذلك لحظة من العناق القصير والمؤثر بين الأب وفلذة قلبه، قبل أن يأتي الوقت ليحمل المشيعون جسد الشهيد، المزين بعلم فلسطين وأكاليل من الورود، ليعود إلى أمه، حيث ألقت عليه النظرة الأخيرة.

"دخل ابني محطة الوقود لتعبئة خزان دراجته النارية، وتجاوز الشارع محاولاً شراء بعض الأغراض من بقالة صغيرة يرتادها من يأتي للمحطة، فأسقطته رصاصة قناص إسرائيلي سكنت في صدره، لحظة اقتحام جنود جيش الاحتلال للمخيم سادت خلاله مواجهات بين الشباب في منطقة بعيدة عن المنطقة التي استشهد فيها محمود"، ينقل والده المكلوم بصوت مثقل بألم الفقد لصحيفة "فلسطين" ما رواه له شهود عيان.

اقرأ أيضاً: بالفيديو جماهير طولكرم تشيّع جثمان الشهيد محمود جراد

يجرح الفقد صوت والده وهو يستحضر بقية التفاصيل: "ابني كان ذاهبا لتعبئة الوقود لدراجته، لأنه يعمل سائق ديلفري إضافة لعمله في بيع الخضار، وأيضا يبيع البطيخ في بسطة بالقرب من المنزل بالمخيم. صُدِمت باستشهاده لأنه بعيد عن المواجهات".

يمنح نفسه بعضًا من التماسك، يستعيد آخر صورة له مع نجله: "كوني أعمل حارسا في جامعة خضوري، رأيته صباح الخميس، كان وقتها مستيقظا، وعدت للنوم وكان خارج البيت، فلم أرهُ بعد ذلك إلا شهيدًا على سرير العناية المكثفة، ثم محمولاً على الأكتاف يزف شهيدًا، رحمه الله واللعنة على المحتلين المجرمين".

حلم شاب

جراد الأب يشهد بفخر على أسرته الكبيرة المؤلفة من ثلاثة أبناء وأربع بنات. أصغر أبنائه هو محمود، شاب في مقتبل العمر، يتمتع بجاذبية خاصة ووجه مدور تزيّنه لحية كثيفة وشعر رأس ملامس للحلاقة. عيناه الواسعتان ينبعث منهما حبّ وتعاطف كبيران، كما يقول.

يضيف الوالد بقلب صابر: "الجميع يحبه، كل من في المنطقة الشرقية بالمخيم يعرفونه، يحب خدمة الآخرين، حنون على أمه وشقيقاته، له حضور خاص بالمنزل، ويحب الضحك والمزاح".

كطموح كل شاب، يحمل حلمًا بتأسيس عائلة بدءا بشراء شقة تكون محور حديثه المستمر مع والده، من أجل تحقيق هذا الحلم، وجد نفسه في مهنة بيع البطيخ، على مسافة لا تتجاوز 150 مترًا من منزله، وإلى جانب ذلك يعمل في خدمة التوصيل (الديلفري) عندما يقل الطلب على شراء البطيخ.

بملامح تسيطر عليها الصدمة، يجلس ابن جيرانه مصطفى أبو شنب في بيت العزاء، لا يزال غير مصدق رحيل صديقه المقرب، وكأنه في حلم.

عبر الهاتف، يقول أبو شنب لصحيفة "فلسطين" عن صداقته مع الشهيد: "ترعرعنا بالمخيم وإضافة إلى أنه صديقي هو جارنا، شاب هادئ ينتبه إلى حياته وعمله ويحب أصدقاءه، لا يتنقل إلا من البيت للعمل وهكذا، عرفته كريمًا يحب مساعدة الآخرين قدر استطاعته، فعندما فتحت مشروعا خاصا وقف معي بكل ما أحتاج إليه، وكان يمر علي كل يوم ليراقب سير الأمور على خير ويطمئن على نجاح المشروع".

قبل يومين من استشهاده، التقى أبو شنب بصديقه في لقاء أخير، لم يعرف أنه سيكون "لقاء الوداع"، يستعيد تفاصيله: "كالعادة عندما نجلس يكون أكثر ما يحدثنا به خلال اللقاء أنه يريد شراء شقة حتى يؤسس لحياته الزوجية".

جراد غادَر، وظلت بسطته الآن تحت ظلال قطعة قماشية، شاهدة على حلم شاب بسيط نشأ في مخيم طولكرم. عشق حياته بين أزقة اللجوء، وكبر وهو يشاهد تحديات وألم هذا الواقع. حلم بفتح محل لبيع الخضار، لكن القدر جمعه مع مصير الشهداء الذين قتلهم جيش الاحتلال لمجرد أنهم فلسطينيون.