بعد انتهائها من أداء صلاة النافلة وقراءة آيات من القرآن الكريم، كانت ماجدة عبيد (61 عامًا) تطل من نافذة الطابق الثالث لمنزلها، تجاورها ابنتها كفاية (26 عامًا) تمسكُ مصحفًا بيد ومسبحة بأخرى، لمعرفة ما يجري مع اقتحام قوات الاحتلال مخيم جنين، الخميس الماضي، قبل أن يعلن استشهاد أحد الشبان.
وصل اسمه إلى هاتف ابنتها التي لم تتأخر في قراءة اسمه: "الشهيد عز الدين صلاحات"، ثم نعته المساجد، تصدح بـ "الله وأكبر"، كانت تشاركهم في التكبير والتعبير عن حزنها.
أخذت الأم معطر الهواء، وبدأت تملأ فضاء الغرفة، على الرغم من أن البيت لم يستعد لاستقبال الزوار، ما آثار فضول ابنتها: "ليش بترشي، ما حدش راح يجي عنا!؟"، لم تجد الأم إجابة على ما فعلته: "خلص هيك، بلكن حدا زارنا"، ونزلت ابنتها إلى الطابق السفلي تاركة والدتها تتابع الأحداث من شرفة منزلها المرتفع.
شهقات الوداع
حطام حجارة يتساقط من الطابق العلوي على نافذة غرفة كفاية، سبقه صوت عيار ثقيل دوى صداه داخل قلبها، أدركت أن ثمة شيء حدث في الأعلى، فصعدت لتجد أمها ممددة على الأرض تغرق في بقعة دماء، تمسك مصحفًا بيدها وفي اليد الأخرى مسبحة، كانت عيناها مفتوحتين، الدماء تسيل من رقبتها وقلبها، تخفت شهقاتها الأخيرة رويدًا رويدًا.
جثت مسرعة تملأ الدموع عينيها، تحتضن بكفيها رأس أمها، وتتخضب ملابسها بالدماء أيضًا، تهز رأسها وهي تحاول الاطمئنان على حالتها، تنادي وتصرخ: "أمي، أمي، أمي"، تسمع آخر شهقات الوداع وهي تدنو من رأس والدتها، تحاول استراق أي نبضات ترد الحياة إلى قلبها.
لحظات وجاء المسعفون، شاركت في حمل والدتها معهم، على الرغم من استمرار إطلاق النار عليهم من القناصة، لكنها لم تأبه، تعلقت بخيط أمل رفيع أن تدب الحياة في والدتها، ونقلت إلى المشفى، وهناك أعلن رسميًا استشهاد والدتها.
"وصلني أن حالتها خطيرة، كنت أعرف أنها شهيدة لأنها احتضرت في حضني، وأنها استشهدت قبل خروجها من المنزل، لم أستطع البقاء في المنزل، خرجت تحت الرصاص، وذهبت إلى المشفى، ووجدتها في ثلاجة الشهداء والموتى" تعلق بصوت مكلوم: "الله أكرمها، طلبتها ونالتها، على الرغم من فجاعة الجريمة فهي تقف آمنة في منزلها، كانت دائمًا تدعو الله: "يا الله إذا بدك تاخذني، خذني شهيدة".
تعيد كفاية التي كانت برفقة والدتها حتى آخر لحظة سرد تفاصيل يوم التصق بذاكرتها لصحيفة "فلسطين": "استيقظت مبكرًا صباح الخميس، ورتبت نفسي لأذهب إلى العمل، قبل أن تبدأ أصوات الاشتباكات بين المقاومين وقوات الاحتلال، التي اقتحمت منطقتنا (جورة الدهب بمخيم جنين)، والتي كانت مسرحًا لحرب بكل معنى الكلمة، تعيد لنا الأذهان للحظات اقتحام المخيم عام 2002، وقتها كنت طفلة صغيرة".
بقعة دماء، ومصحف، ومسبحة، وأم ممددة، هذه آخر صورة طبعت في ذاكرة كفاية، لكن سبقتها صورة أخرى مفعمة بالحياة، فصلت بين الصورتين عدة دقائق: "عندما كنا نقف على شرفة النافذة كانت تبتسم، وقبلها نزلت لتقديم مياه الشرب للمقاومين أسفل المنزل، رأيتها وهي تنظر إليَّ وتبتسم، ثم صعدت إليها".
مسافة طويلة
بعيدًا عن منزله، كان عمر عثمان عبيد (59 عامًا) زوج ماجدة ينخرط في عمله بمدينة القدس المحتلة، قبل أن يتلقى اتصالاً هاتفيًا من ابنته، تبث له خبر استشهاد أمها الذي نزل كالصاعقة عليه.
"كان الطريق مزدحمًا، وبعيدًا لم أرَه أبعد من تلك اللحظات، تمر عليَّ ذكريات 39 عامًا عشتها معها، طلبت أن لا تدفن دون أن أودعها"، وصل عبيد كما يروي لصحيفة "فلسطين" بيته مع حلول أذان المغرب، وألقى نظرة الوداع الأخيرة على زوجته التي عاشت معه عقودًا، وأنجبت له ست بنات، وولدًا وحيدًا (زياد).
كثيرًا كانت زوجته قريبة من الاستشهاد، في المرة الأولى عند اجتياح الاحتلال للمخيم عام 2002، في أثناء زيارتها للعيادة لمراجعة طفلتها، عادت لتجد بيتها قد سوِّيَ بالأرض من قوات الاحتلال، لم ينسَ ما حفرته ذاكرته "يومها انتقلنا إلى بيت آخر كنت قد اشتريته مشيدًا من الطين، كان يجاور بيت أحد المطلوبين، فانهالت الصواريخ التي أطلقتها مروحيات الاحتلال عليه، وهدم نصف بيتنا".
تقفز صورتها أمامه، ومن الذاكرة تطل أصوات بكاء أطفاله واحتماؤهم في حضن والدتهم: "كنا قريبين من الموت جميعًا، عشنا يومها لحظات صعبة، لكن قدر لها أن تنجو وننجو معها، لنعيش حياة جميلة بدون مضايقات إلا من الاحتلال، الذي لم يتركها حتى هذا السن".
بالعادة يغيب عبيد عن منزله مدة أسبوعين قبل أن يعود، فكان آخر تواصل بينهما عبر مكالمة هاتفية قبل ثلاثة أيام من استشهادها، يزف إليها بشارة تنتظرها: "أخبرتها بنيتي الذهاب معها لأداء العمرة في المدة المقبلة، فغمرتها السعادة".
عام 2020، زفت ابنها الوحيد من الذكور "زياد"، لم تطل فرحتها بزواجه ورزقه بحفيدها الأول "عمر" الذي حمل اسم جده، حتى زارها الحزن مجددًا بمرض ابنتها "نسرين (34 عامًا) ووفاتها، لحظات عصيبة عايشها زوجها: "كانت ابنتي متزوجة بالداخل المحتل، فمكثنا عندها بالمشفى أسبوعين، كل شيء حدث أمامنا حتى توفيت".
كل شيء كان يتحرك وينبض بالحياة داخل منزل "عبيد"، كان المنزل الذي لا تتجاوز مساحته 50 مترًا ومبنى من عدة طوابق، يوفر الأمن لأفراده، البنات يوجدون حول أمهن، حفيدها "عمر"، في لحظة قرر قناصة إسرائيلي قتلها، ويعايش جميع من في المنزل تفاصيل جريمة ستبقى عالقة في أذهانهم مدى الحياة، لتنضم ماجدة عبيد إلى قائمة طويلة من شهداء جنين ومخيمها، التي ودعت العام الماضي 59 شهيدًا، وهذا العام 19 شهيدًا.