قائمة الموقع

"خصيب" و"نوابيت".. حكاية 150 يومًا في معتقلات السلطة

2022-11-04T10:39:00+02:00

انتظر أحمد خصيب من قرية عارورة شمال غرب رام الله وسط الضفة الغربية 45 يومًا حتى تمكن من احتضان مولودته البكر "منى" وضمها لأول مرة بين ذراعيه، بعد الإفراج عنه من سجون السلطة في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بعدما أمضى 150 يومًا في سجن أريحا أضرب خلالها 31 يومًا عن الطعام، وبقية المعتقلين على خلفية ما يعرف بـ"قضية منجرة بيتونيا".

وبينما كان خصيب يستعد لتقديم امتحان مزاولة مهنة المحاماة بعد اجتيازه فترة التدريب، وفي أثناء خروجه من صلاة الفجر اقتادته مخابرات السلطة قبل خمسة أشهر في مشهد أشبه بعملية "اختطاف" إلى سجنها بمحافظة رام الله، قبل نقله في اليوم ذاته إلى سجن أريحا.

تعذيب وقهر

"في أثناء اعتقالي قيدوا يدي للخلف، حتى أنني لم أعد أشعر بهما في أثناء المسير، فطلبت من عناصر الأمن تخفيف القيد، لكن أحد الضباط قال بسخرية: بنجبصلك إياهم في أريحا، فتعرضت للضرب في أول يوم، وربما كنت أقل المعتقلين الستة تعرضًا للضرب"، يروي خصيب لصحيفة "فلسطين" تفاصيل خمسة أشهر عاشها في سجون السلطة، غُيب فيها عن عائلته وحرم من احتضان طفلته، حتى إنه كان آخر من علم بولادتها.

خصيب الذي كان يستعد للوقوف أمام القضاة ويرتدي ملابس سوداء للمرافعة عن المظلومين، وجد نفسه في زنزانة صغيرة لا تزيد مساحتها على مترين مربع، يدخل في تفاصيل الحياة فيها: "درجة الحرارة فيها شديدة، لا يوجد مروحة (..) صحيح أني لم أتعرض للضرب إلا في أول يوم، لكنني كنت أسمع صوت صرخات أحمد هريش في الزنزانة الأخرى وهو يقول لعناصر الأمن: مش قادر أقوم، وذلك من أثر التعذيب والشبح وتقييد قدميه بشكل متواصل".

وإن كان لم يتعرض خصيب كثيرًا للتعذيب الجسدي، لكن التعذيب النفسي في بعده عن زوجته في وقتٍ كانت تستعد لوضع مولودته لم يقل صعوبة عن الضرب، إذ لا تزال غصة الحرمان عالقة في صوته: "كنت أنتظر مولودتي على أحر من الجمر، طلبت أكثر من مرة حضور ولادتها، لكنهم رفضوا، رغم أن زوجتي كانت في حاجة ماسة إلي".

تفجأ خصيب في 21 سبتمبر/ أيلول الماضي بنقله إلى سجن الشرطة في بيتونيا المخصص لاعتقال المدنيين على خلفيات جنائية، فلم يتقبل المعتقلون الستة هذا الواقع وقرروا خوض إضراب مفتوح، يعلق: "كان صعبا علينا تقبل الأمر مع احترامنا لكل أبناء شعبنا، فاستمر إضرابي 31 يوما، في حين لا يزال بقية المعتقلين يخوضون الإضراب".

ورغم أن خصيب أمضى 26 شهرا في سجون الاحتلال، إلا أنه يصف فترة اعتقاله بسجون السلطة أنها أصعب فترة في حياته، كونه كان حديث الزواج ويقف على أعتاب خوض غمار المحاماة.

يوجه رسالة بأن يتم وقف الاعتقال السياسي، وأن تتوقف السلطة عن زج "خيرة أبناء البلد في سجونها" خاصة أن منهم أسرى محررون، ويخدمون فلسطين ويرابطون في المسجد الأقصى ويدافعون عن الأرض والعرض.

والمعتقلون الستة على خلفية قضية "منجرة بيتونيا"، هم: أحمد هريش، وجهاد وهدان، ومنذر رحيب، وقسام حمايل، إلى جانب أحمد خصيب وخالد نوابيت اللذين تم الإفراج عنهما، في حين تقرر أمس الإفراج عن حمايل خلال جلسة المحاكم التي أرجئت إلى نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، نتيجة عدم حضور بقية المعتقلين المضربين عن الطعام للجلسة.

انتزاع الإفراج

وجاء اعتقال السلطة نوابيت (44 عامًا) بعد 6 أشهر من الإفراج عنه من سجون الاحتلال، حيث أمضى 27 شهرًا في الأسر بتهمة إيواء الأسير القسامي عاصم البرغوثي خلال فترة مطاردته، ليمضي 130 يومًا في سجن السلطة بأريحا خاض في آخرها إضرابا مفتوحا عن الطعام استمر 30 يومًا، انتهت بانتزاع قرار الإفراج عنه.

غاب نوابيت عن منزله في قرية "برقة" قضاء رام الله، التي يحاصرها المستوطنون ويشنون اعتداءات متتالية على الأهالي، ما وضع زوجته "أم يحيى" أمام مسؤولية كبيرة في توفير الأمن لأطفالها، خاصةً أنهم انتقلوا للبيت حديثًا قادمين من مدينة بيتونيا، ولم يستكملوا بناء السور والأبواب الخارجية، فعاشت تلك المدة تحت هواجس تسلل المستوطنين في جنح الظلام إليها.

"من لحظة اعتقاله حتى الإفراج عنه، عشنا في تعبٍ نفسي، فلدي أربعة أبناء أكبرهم لا يتجاوز خمسة عشر عامًا وأصغرهم ستة أعوام، تأثرت نفسيتهم وتحصيلهم الدراسي في غياب والدهم" تلخص زوجته في حديثها لـ"فلسطين" قصته.

فرضت الظروف على "أم يحيى" مسؤوليات مضاعفة، تعدد بعضًا منها: "كنت أترك أولادي في البيت وأذهب إلى المحاكم، أو لزيارة سجن أريحا، وأحيانا أصطحبهم معي، وكان الأولاد يتعبون من طول ومشقة الطريق من رام الله إلى السجن الذي يقع في أقصى شمال شرق أريحا".

لم تكن زيارة المحاكم والسجن هما المعاناة الوحيدة للعائلة، بل عانوا وهم نائمون في بيوتهم خشيةَ "أي غدر محتمل" من المستوطنين، وفي بعض الأحيان لم تستطع النوم، تردف: "لم أشعر أبنائي بكل ما يجري، خاصة أن اعتقال زوجي جاء في أثناء قيامه ببناء سور حول البيت، وفي كثيرٍ من الأيام التي شهدت القرية أحداثًا لم أنم، وكذلك لم أتصل بأهل زوجي فوالداه مسنان".

تأثرت العائلة بغياب معيلها الأول كذلك، فاتبعت زوجته –كما تقول– سياسة الاقتصاد وبالكاد كانت تلبي المتطلبات الأساسية، إضافة لتشتتهم وعدم الاستقرار وعدم الشعور بالأمن، فترة قاسية تلاشت عندما أفرج عنه قبل أيام، تحرك مشهد اللقاء الأول بعد الاعتقال: "عندما سمحوا لأطفالي بالدخول على والدهم، ركضوا واحتضنوه وكانوا في شوق كبير له، ورغم كل ما عشناه نسينا ما مضى وألقيناه خلف ظهورنا وفتحنا صفحة جديدة".

ورغم قضاء نوابيت 7 سنوات في سجون الاحتلال، إلا أن زوجته ترى أن اعتقاله الأخير بسجون السلطة الأصعب على أطفاله "لأنهم أصبحوا في مرحلة يحتاجون فيها والدهم ولا يستطيعون التكيف على غيابه".

اخبار ذات صلة