قائمة الموقع

"محمد التلباني" يلتحق بزوجته وأطفاله شهيدًا

2022-11-01T17:08:00+02:00
فلسطين أون لاين

 

جسدٌ ساكن لا يتحرك منه إلا نبضات قلبه، هكذا كان يتمدد على أسرّة العناية المكثفة والرعاية بالمستشفيات طوال عام ونصف، يعيش في حالة فقدان للوعي (غيبوبة) لا يتحرك منه سوى عينيه، عندما يستجيب لوالدته التي رافقته في رحلة علاجية "قاسية" أو يضغط على يديها كعلامة أنه يسمعها في أفضل حالاتِ تحسنه، تتعلق ببصيص أملٍ خافت أن تسمع صوته من جديد، وفي نفس الوقت تتمنى ألا يعرف حقيقة إبادة عائلته.

لم يستطع جسد محمد عودة التلباني (32 عامًا) من مخيم "المغازي" وسط القطاع، مقاومة إصابات وكسور تملأ جسده من جراء قصف طائرات الاحتلال شقته السكنية في مايو/ أيار 2021 بمنطقة "تل الهوى" بمدينة غزة، ليتوقف قلبه وجسده الفاقد للوعي في 27 أكتوبر/ تشرين أول الماضي، ويلحق شهيدًا بزوجته وأطفاله الثلاثة.

كان محمد وزوجته الصحفية ريما سعد الحامل في الشهر الرابع من حملها الثالث، ينتظران ظهور جنس الجنين بعد أيامٍ قليلة من عيد الفطر، لتجهيز ملابسه، بينما يتلهف طفلاهما "زيد (5 سنوات) ومريم (3.5 سنوات) لاستقبال الوافد الجديد وكلٌّ منهما يريد أن يكون من جنسه، اختار زيد اسم "زين" له في حال كان ذكرًا.

في 12 مايو/ أيار 2021، قبل عشر دقائق من وصول عقارب الساعة الثانية فجرًا، تجمعت العائلة في غرفةٍ واحدة، وناموا آمنين في شقتهم في حي "تل الهوى" بمدينة غزة، لكنهم لم يأمنوا من بطش الصواريخ الإسرائيلية التي انهالت على شقتهم ومزقت أجسادهم -التي كانت قبل ساعاتٍ من القصف تنبضُ بالحياة– وحولتهم إلى أشلاء، حتى إن فرق الدفاع المدني استطاعت إخراج الطفلة مريم من بين الركام بعد أحد عشر يومًا من البحث، بعدما قذفتها الصواريخ لشقة مجاورة.

بعينيها المحمرتين اللتين تتقدان بنيران القهر تحدثت والدته لصحيفة "فلسطين" بعدما حرمت من ابنها وأحفادها: "أوجه صوتي للعالم ومؤسسات حقوق الإنسان الذين يكيلون بمكيالين، واليوم تمحى عائلة ابني من السجل المدني ومزقت أجسادهم، أين تلك الدول التي تتغنى بحقوق الإنسان؟ أريد حق ابني وحق كل مظلوم".

وسط بيتٍ يضج بالمعزين، تتساءل بنفس الحرقة وصرخات صوتٍ دوت في أرجاء البيت تتمنى أن تصل لكل ضمير حي: "ما ذنبي أن أفقد فلذة كبدي وأحفادي؟ نحن أمهات الشهداء والجرحى نتحمل الآهات والألم والبكاء، بأي حق يُقصَف في بيته، وهل أهل الحق أصبحوا مجرمين؟".

4 جنازات

هذه الأم المكلومة أقامت أربع جنازات تشييع، في الأولى شيعت كنتها وجنينها وحفيدها زيد، وبعد أحد عشر يومًا شيعت حفيدتها مريم، وبعد عام ونصف ودعت ابنها محمد، وقبل ذلك ودعت ابنها عبد الرحمن عام 2014 إذ استشهد بقصفٍ إسرائيلي.

يتكئ صوتها على عكاز الصبر، تصحبها الذكريات لآخر حديثٍ هاتفي لها مع نجلها: "اتصلت بمحمد عبر الإنترنت بعدما سمعت عن قصف في محيط منطقته، لكنه كان يطمئن علي، سمعت صوت زوجته يأتي من بعيد: "الأولاد خافوا كتير".

مكث محمد شهرين في العناية المركزة بمستشفى الشفاء، وخمسة أشهر بمستشفى "الوفاء"، لم تنقطع آمال العائلة، فنقل لمستشفيات مصر لمدة أربعة أشهر، ثم عاد وأكمل شهوره الأخيرة بمستشفى الوفاء.

تتوقف والدته عند وضعه الصحي "عاش في حالة فقدان وعي "غيبوبة"، لم يستجب ولم يتحدث، فقط كان يضغط على يدي أو يغلق عينيه كتأكيد أنه سمعني.

مرافقة طوال الوقت

كل أفراد العائلة سهرت على مرافقة ابنها في أثناء العلاج، لم تغفَ عيونهم لحظةً واحدة عنه، كانوا يتناوبون بالمكوث عنده خاصة والده وشقيقه، فجسده المليء بالوصلات الطبية، لإدخال الأدوية المغذية، وإخراج البول، وقياس الأكسجين الذي قد ينخفض فجأة في حال سد مجرى التنفس، إضافة لحروقٍ ملأت جسده، لم يسمع أحد صوت تألمه منها، يحتاج السهر عليه 24 ساعة.

"تعذبنا عذاب، والحمد لله ربنا اصطفاه شهيدًا، ارتاح عند ربه"، قالت بصوتٍ مقهور، لكنها كانت مستعدة للسهر عليه أعوامًا أخرى لو ظل قلبه ينبض على أمل أن تتحسن حالته.

محمد كان ثمرة تربية أمه، تقول إنه منذ نعومة أظفاره كان خلوقًا، متفوقًا، في دراسته من الأوائل على المدرسة، متعلم، مثقف، معه دراسات عليا في إدارة التكنولوجيا.

وتضيف والدة محمد: "لطالما كنت أسأل لماذا استهدفوه؟ وحتى لو كان في ثكنة عسكرية وهناك أطفال ونساء، لا يوجد قانون في العالم يجعل الاحتلال يقتل الأطفال، ويقصف البيت على رؤوس ساكنيه".

تعرض بعضًا من صفات ابنها: "لم أتذكر أنه رفع عينيه أمامي من الخجل، دائمًا يقول لي: حاضر، حتى لو أعليت صوتي عليه، كان مؤدبًا، لم يؤذِ أي إنسان، يحب الخير للناس، يحبه الجيران والجميع".

لا تستطيع حصر مواقفها الجميلة مع ابنها، لكن لا تنسى يومًا مميزًا جاءه فيه قبل العدوان الإسرائيلي، وأعدت له طعامًا يحبه، وجلس طيلة اليوم معها.

ورَّث محمد التلباني، التي تقر أمه أنه شديد الذكاء، ابنه زيدًا بعضًا من ذكائه، حتى أصبح الطفل وهو بعمر خمس سنوات يحلم أن يصبح رائد فضاء، ودائمًا حدث جدته عن حلمه، ونمّى والده شغفه بإحضار ألعاب تربطه بحلمه الذي قتله الاحتلال.

تطل صورته الأخيرة أمام جدتهم: "كانوا سعداء بشراء ملابس العيد الجديدة، اشترى محمد سيارة إطفاء طلبها زيد، وعروسة أطفال لابنته مريم"، تبكي حسرتها: "كل شيء انحرق، ودعت شهيدين من أبنائي عبد الرحمن، ومحمد وزوجته وأولادهم الثلاثة، قلبي يتقطع على فراقهم".

اخبار ذات صلة