فلسطين أون لاين

عويضة.. بالبكاء على أبوابه تخفف مرارة الإبعاد عن الأقصى

...
المرابطة زينات عويضة
القدس المحتلة- غزة/ هدى الدلو:

لا يغيب عن ذاكرة المقدسية زينات عويضة قساوة الإبعاد التي لم تكن تدركها قبل خوض التجربة الأولى بالإبعاد عن المسجد الأقصى عشرة شهور، سبقه خضوعها للمراقبة العسكرية من جيش الاحتلال عدة أيام.

كان ذلك في نيسان (أبريل) 2016، لتخرج يوميًّا من بيتها والأمل يملأ قلبها في أن تتمكن من الدخول إلى المسجد الأقصى وتروي ظمأ اشتياقها له، فتحاول عبر أبوابه المختلفة دون جدوى بعد أن وضعت صورتها ونسخة عن بطاقتها الشخصية بين أيدي جنود الاحتلال المتمركزين على مداخل المسجد، لتجلس على أحد أبوابه تبكي حسرة وألمًا، تقول: "أقصانا، وهم من يمنعوننا عنه، فهو ليس من حقهم ولا ملكهم".

تروي عويضة (أم إيهاب الجلاد) قصتها مع الرباط والإبعاد عن المسجد الأقصى الذي تجاوره، فهي تسكن حارة السعدية ثاني أكبر حارات الحي الإسلامي في البلدة القديمة لمدينة القدس المحتلة.

تقول: "كيف لا أتعلق بالأقصى وقد وعيت على هذه الدنيا وأنا أسمع الأذان المنبعث من مآذنه، ونسيم هوائه يدخل قلبي دون استئذان؟! بيتي الحارة وكنت أمر بالمسجد الأقصى يوميًّا في ذهابي وإيابي من المدرسة".

انتقال "أم إيهاب" إلى بيت آخر يبعد مسافة 2 كيلومتر عن الأقصى لم يقطع صلتها بالمسجد؛ فباتت عرضة للملاحقة والاعتقال والتعذيب في سبيل عشقها لأولى القبلتين.

تقول السيدة السبعينية: "بدأت رباطي في المسجد الأقصى منذ عام 2011، وكنت أول موظفة به مشرفة على حلقات العلم، أقضي به أجمل أيام حياتي وأسعدها".

وتحرص "أم إيهاب" على الوجود في المسجد الأقصى قبل الساعة السابعة والنصف، وهي الساعة التي فيها يفتح باب المغاربة لدخول المستوطنين، وفي ذلك الوقت تعلو أصوات المرابطات بالتكبير، ولا تعود إلى منزلها إلا بعد انتهاء الاقتحامات، حتى لا تتركه وحيدًا.

تضيف: "الرباط جزء من حياتنا اليومية، لا نكل ولا نمل من الجلوس في باحاته، والتصدي لاقتحامات المستوطنين اليومية خلال جلساتنا في حلقات العلم، فالتكبير يرهبهم ويزعجهم ليبعدونا الواحدة تلو الأخرى".

وبعد انتهائها من الرباط في المدة الصباحية تجلس على مكتبها لتسجيل الطالبات الجدد، وفي كثير من الأحيان يقتحم جنود الاحتلال عليها المكتب ويخرجونها منه ويعتقلونها.

وتمضي أم إيهاب إلى القول: "كنت أسعى مع مرابطات أخريات إلى الوجود في جميع الأوقات داخل المسجد الأقصى، وذلك يزعج المستوطنين أن يروا المسلمين في أوقات خارجة عن وقت صلواتهم الخمس، لسعيهم إلى تطبيق التقسيم الزماني".

 قضاء "أم إيهاب" معظم وقتها بين جنبات الأقصى وساحاته لم يؤثر على بيتها الذي تتركه ساعات طويلة، تقول: "فكان وقتنا بشهادة جميع المرابطين نلمس فيه البركة التي تمكننا من التنسيق بين واجبات الأقصى وواجبات بيوتنا، ونزداد نشاطًا نستمده من جو المسجد والرباط فيه".

وترى الحاجة "أم إيهاب" أنها ولدت منذ بدأ رباطها في المسجد الأقصى، فهو عالم آخر رغم ما واجهته من مشاق الاعتقال والضرب والإبعاد، "فحياة الرباط ليست معبدة بالورود، ولها ثمن يجب أن ندفعه، وهذا ما تدركه المرابطات".

وعن مرات الإبعاد، تفيد أنها أبعدت عن المسجد الأقصى ثلاث مرات، تفاوتت مدتها الزمنية إذ بلغت مدة الإبعاد الأول عشرة أشهر، وزاد الثاني شهرًا على مدة الإبعاد الأول، مضيفة: "أما الإبعاد الثالث فكان الأقسى والأصعب، فكان إبعادًا مفتوحًا مدة ثلاث سنوات، وضم جيش الاحتلال اسمي إلى القائمة التي يُسميها القائمة السوداء، ونسميها نحن المرابطات القائمة الذهبية".

وتتابع "أم إيهاب" حديثها: "إن جنود الاحتلال لا يرحمون كبيرًا ولا صغيرًا، فحينما اعتقلوني شدوا على رجلي بالقيود والسلاسل وكانوا يتعمدون إيلامي، كنت أشعر بذل كبير كيف نحن أصحاب المسجد وأهله نحرم منه، والمستوطنون يصولون ويجولون في باحاته؟!".

وتستذكر أنه في إحدى المرات رماها جنود الاحتلال بقنبلة صوتية تسببت بحرق قدمها وجلبابها.

وتقول: "إن المرابطين والمرابطات لا يذعنون لجنود الاحتلال، فوجودنا يغيظهم، وكلما أبعدونا أو أغلقوا بابًا في وجهنا اتجهنا إلى باب آخر، وأذكر ذات مرة كنت أنتظر صديقتي أمام مركز القشلة، فخرج لي مسئول إسرائيلي، وقال لي: "أنتِ موقوفة" دون أي سبب".

وحتى حينما تبعد "أم إيهاب" عن المسجد الأقصى لا تستسلم للقرار، وتحاول الوصول إلى النقطة الأقرب من المسجد الأقصى وتفترش بسجادة صلاتها الأرض، أو تجلس على باب حطة تبكي الظلم الذي يعانيه المقدسيون.  

وتوضح أن وجود المرابطين يوميًّا هو الذي أفشل مخططات الاحتلال، وجماعات ما يسمى "أمناء الهيكل" بمنع الصلاة في مصلى باب الرحمة.

الإجراءات الاحتلالية بحظر الحركة الإسلامية (الجناح الشمالي) ومصاطب العلم لم تنزع حب المسرى من قلب المرابطات، "الأقصى عقيدة وجهاد، ومسرى رسولنا وآية في القرآن الكريم، تربينا ونشأنا على حبه، وهو منحة ربانية، فلا يعرف الإنسان قيمته إلا إذا تذوق حلاوته في راحة النفس وبركة الوقت"، والحديث لأم إيهاب.

ولا تجد في بُعد المسافة بين بيتها والمسجد الأقصى مشقة، ولا ترى تقدمها بالعمر عائقًا لقطع تلك المسافة، وقضاء وقت طويل داخل ساحات المسجد التي تحفظها عن ظهر قلب، فيكفي أن بداخله كل يوم قصة وحكاية لا تنتهي.