فلسطين أون لاين

الانتصار خير من النوم

"الانتصار خير من النوم"، عنوان كتبته صحيفة صهيونية فوق مقالها حول أزمة القدس وخروج الفلسطينيين منتصرين، وذلك جريا على أذان الفجر الذي يقول: "الصلاة خير من النوم". وهو كذلك.


لقد سهر الفلسطينيون وتعبوا وتحملوا المشاق والتنكيل وإجراءات القمع، لكنهم فضلوا البقاء يقظين حتى لا يؤخذوا على حين غرة، وأرغموا الكيان الصهيوني على التراجع عن إجراءاته بحق المسجد الأقصى. لقد انتصر الفلسطينيون وكان في انتصارهم ما هو أفضل بكثير وأرقى من النوم والاسترخاء وإدارة الظهر للمقدسات. لقد أبلوا بلاء حسنا، ونالوا الجزاء والثواب، وارتفعت معنوياتهم، وأخذوا يشعرون بالقوة والقدرة على التصدي والمواجهة.


لقد انتصر الفلسطينيون في الأزمة الأخيرة حول المسجد الأقصى، إنما دون أن يأمنوا شر الصهاينة. فمن سياسة الصهاينة الثابتة ألا يدعوا الفلسطينيين ينتصرون في أي معركة كانت صغيرة أو كبيرة وذلك لكي لا ترتفع معنوياتهم ومن أجل أن يبقوا تحت نير الإحباط، وأن يفسدوا عليهم فرحتهم وثقتهم بأنفسهم إن هم حققوا إنجازا. ولهذا ليس من المستبعد أن يقوم الصهاينة ببعض الأعمال والإجراءات التي تعكر صفو الأجواء الفلسطينية مثل بث المزيد من الخلافات بين الناس والفصائل، أو تدبير عمل عدواني جديد ضد الأقصى أو أي مكان مقدس آخر. ولهذا يبقى الفلسطينيون مستنفرين مفتوحي العيون والآذان حتى لا يأخذهم الصهاينة في عمل مفاجئ.


من أجمل ما حصل في نجدة الأقصى الوحدة الوطنية الجماهيرية الفلسطينية. لقد شارك الفلسطينيون بمختلف أطيافهم السياسية والوطنية والدينية في هذه النجدة، ولم يرتفع إلا علم واحد وهو علم فلسطين. لم يكن هناك بين الصفوف من انتصر لفصيله أو حزبه، وإنما انتصر الجميع لفلسطين، وتحدث الجميع بقلب واحد ولسان واحد. وكان ظاهرا أنه لا توجد صراعات على المستوى الجماهيري، والخلافات تنحصر بالسياسيين أصحاب المصالح الذين لديهم الاستعداد للتضحية بفلسطين من أجل المصالح الخاصة التي يملك الاحتلال مفاتيحها.


لم يكن المعتصمون وحدهم في الميدان يسهرون الليالي ويحرسون، وإنما كان خلفهم جيش من نساء القدس المباركات. لقد استنفرت نساء القدس من أجل خدمة المعتصمين المرابطين والمرابطات وتوفير احتياجاتهم اليومية. لقد قمن بإعداد الطعام وقدمنه للجميع، وقدمن الماء والعصائر والعلاج، وفتحن بيوتهن للمتعبين والمرضى والجرحى، وأدخلن المسعفين إلى بيوتهن ليقوموا بواجبهم الوطني.


لقد ضربت نساء القدس المثل الأعلى في التضحية ونفي الذات وأنفقن من جيوبهن الخاصة، ولم يطلبن عونا ماليا من أحد. وهذا عمل يسجل في تاريخ المرأة الفلسطينية الوطني. وربما من الجيد أن المال لم يدخل إلى حشود المعتصمين عند البوابات لأنه تاريخيا كان مفسدة، وألهى الناس بالاتهامات والاتهامات المضادة. وغياب المال أثبت أن الشعب الفلسطيني يستطيع الاعتماد على نفسه دون فوضى ودون سرقة الأموال العامة.


ومن الملاحظ أيضا أن التلاحم الفلسطيني شمل المسيحيين الذين هم شركاء في الانتصار. لقد انضم مسيحيون إلى الصلاة مع المسلمين دفاعا عن الأقصى، وكان من المقرر، وفق بعض وسائل الإعلام أن تنطلق مسيرة جماهيرية من كنيسة القيامة إلى المسجد الأقصى يوم الجمعة الفائت عندما انفرجت الأزمة. والمسيحيون لم يقصروا في فتح كنائسهم للمسلمين في حال تعذر عليهم إقامة الصلاة في المساجد. هذه هي الروح المسيحية الحقة، وذلك كان الاستقبال الإسلامي الرائع لجهود المسيحيين. وهذه هي أصالة الشعب الفلسطيني التي ظهرت دائما أوقات الشدة ومنحت الشعب قوة فولاذية صلبة.


فهل ستتعلم القيادات الفصائلية الفلسطينية المتخاصمة والتي قسّمت الشعب الفلسطيني الدرس؟ كل الشعب يرجو ذلك، لكنه من الصعب أن تتعلم. هذه قيادات ضالة وفاسدة، ودائما تجر الشعب إلى مفاسدها وانقساماتها. وهذا ما لاحظناه في التاريخ الفلسطيني ومنذ بداية الغزو الصهيوني لفلسطين. الجماهير كانت دائما تقدم التضحيات، والقيادات تقدم التنازلات في مفسدة لاحتمال تحقيق إنجازات وطنية. الشعب كان دائما في المقدمة، والقيادات كانت تلهث وراء الناس. لكن النتائج كانت دائما لصالح هذه القيادات ويعود الشعب إلى قواعده بشهدائه وجرحاه وبيوته المدمرة وأشجاره المقطّعة. لكن القيادات تحصد المكاسب والمناصب لأنها كانت دائما تساوم فيغدق عليها العدو نعمه وخيراته. فهل ستبقى القيادات بعيدة عن المشهد هذه المرة؟ الشعب يرجو ذلك، لكنها تملك ما يكفي من المال لاستمالة جيشها من المنافقين الذين لا يهمهم الوطن ولا المواطن.


وحقق الفلسطينيون نصرا آخر على المطبعين، من العرب عموما، ومن الفلسطينيين خصوصا. كانت عجلة التطبيع مع الكيان الصهيوني تتدحرج بسرعة، وكانت أغلب الحكومات العربية منبطحة تنتظر من الكيان الصهيوني المنة بالقبول، فجاءت أزمة الأقصى؛ لتبعث الوعي من جديد في عقول الشعوب العربية، ولتضع حكومات العرب في حرج ولو مؤقتا. انطفأت جذوة التطبيع والتنسيق مع الكيان مؤقتا في انتظار الظروف المناسبة.


لقد غاب الوعي الجماهيري العربي عن القضية الفلسطينية بعض الزمن، وجاءت قيادة صهيونية تتمتع بالكثير من العنجهية والغباء لتبعث في النفوس الحركة من جديد. لقد هب الشعب الفلسطيني، وأخذت أخباره تتصدر وسائل الإعلام في مختلف البلدان العربية، فانتعش الوعي، وأخذت الشعوب تتحفز ضد الصهاينة. خرجت جموع عربية غير كافية إلى الشارع نصرة للقدس، لكنها أوقدت في النفوس انتصارا للأقصى ورغبة في الانتقام من العدو.