تقرير محمود داود.. شرطي مرور مهَّد الطريق للإسعاف فنقله شهيدًا

...
الشرطي الشهيد محمود داود- أرشيف
غزة/ يحيى اليعقوبي:

لم يتخلَّ عن واجبه بالرغم من أصوات القصف حوله وطائرات الاحتلال الحربية التي تجوب سماء قطاع غزة فوقه، فقد كان الشرطي محمود داود من مرتبات شرطة المرور ينظم حركة السير عند مفرق السامر بمدينة غزة، لتمهيد الطريق أمام حركة سيارات الإسعاف لنقل المصابين والشهداء إلى المشفى.

تسلم داود "شفت" دوامه اليومي الساعة الثانية ظهرًا، يراقبه زميله الموجود على المفرق الآخر فرناس البهتيني الذي كان ينظم حركة السير كذلك.

اتخذ الشرطيان نقاطا آمنة قريبة من المفرق، وعندما تواردت إلى مسامعهما أصوات الإسعافات القادمة من بعيد توسطا المفرق لإيقاف حركة أي مركبة قادمة، وهكذا استمرت الحال حتى مرَّت عربة حصان ومركبة أخرى تزامنًا مع مرور إسعاف، وهذه المرة فضَّ صاروخٌ إسرائيلي هذا الزحام مخلفًا إصابات وشهداء، لينقل الإسعاف ذاته "داود" إلى المشفى.

صوت الإسعاف وهو قادم من بعيد، صورة زميله وهو ممدد على الأرض يلتقط أنفاسه الأخيرة، وصورة حصان ممدد ينزف، مشهد أخير تطفو بقية تفاصيله على حديث زميله البهتيني لصحيفة "فلسطين": "كان على وشك تمرير الإسعاف ثم العودة لنقطته الآمنة بعيدًا عن المفرق، لكنه لم ينجُ من صاروخ الطائرة الإسرائيلية بعدما اخترقت شظية رقبته وأخرى بطنه، رأيته بلا حركة، وكان في آخر لحظات حياته، فأسعفناه وذهبت معه إلى المشفى".

كان الصديقان قد تواعدا بمغادرة الدوام معا لمتابعة تطورات الأحداث، لكنّ لقاءَها كان على باب غرف العمليات بالمشفى التي لم يؤذَن لصديقه بدخولها، حيث أخبره الأطباء بالعودة صباحا.

أشرق الصباحُ حزينًا على غزة، ونفض البهتيني النعاس عن جفنيه وأمسك هاتفه وهو ينظر إلى رسالة نصية وصلت إليه، حتى تصلبت نظراته طويلاً وهو يقرأ نعي جهاز شرطة المرور لزميله ورفيقه "داود" الذي لم تعد إليه الحياة، ليرحل شهيدًا.

"محمود شاب خلوق يحب عمله، والناس تحبه، وخاصة في منطقة ميدان فلسطين، كان السائقون يعرفونه بطيبته، وكان يحدثنا عن نيته الزواج وحبه لتكوين أسرة"، يكمل صديقه حكايته.

وشيَّع مئات الأفراد من شرطة المرور زميلهم الشهيد أمس تقديرًا لجهده ودوره خلال العدوان، مؤكدين سيرهم على الطريق ذاته الذي رسمه لهم بدمائه، في حبه وإخلاصه لمهنته.

يواسي المعزون والده في بيت العزاء أمام منزله بحي الدرج، يخففون الألم عنه ويواسونه في مصابه الجلل، يتذكر آخر لحظات نجله: "أخبرني أنه ذاهب إلى الدوام، وحدد لي لأول مرة مكان دوامه عند مفرق السامر، وقبل المغادرة أعطى عامل الدهان أجرته بعدما وضع اللمسات الأخيرة لشقته، إذ كان يستعد للخطبة والزواج".

ضجت الأخبار والمواقع الإخبارية وصفحات التواصل الاجتماعي بخبر استهداف مفرق السامر وإصابةِ شرطي مرور، حتى أيقن أن ابنه من بين الشهداء والمصابين "فعندما سمعت القصف وحُدد المكان، ترحمت عليه"، يقول والده بعدما قطع كلامَه معزون آخرون وصلوا لخيمة العزاء.

قبل يوم من استشهاده قال "داود" في جلسةٍ مع أشقائه إن شيئًا بداخله يشعره أنه سيموت وأنه لن يفرح بشقته الجديدة".