تقرير كانت تلهو أمام منزلها.. غارة غادرة تحرق أحلام "آلاء"

...
غزة/ مريم الشوبكي:

خرج عبد الله قدوم من بيته يهم بركوب دراجته النارية، وإذ بابنته التي كانت تلعب برفقة أخيها رياض أمام باب منزلها في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، توقفه وتلح عليه بأخذها معه. حاول ثنيها بأنه على عجلة من أمره، لم يفلح فرضخ لتوسلاتها البريئة.

تحرك عبد الله بدراجته حيث كان يرافقه ابن عمه يوسف مع طفليه آلاء (5 أعوام ونصف العام) ورياض (7 أعوام) لزيارة بيت أخته التي تسكن في الحي نفسه، وما إن ابتعد بضعة أمتار عن المنزل وإذ بصاروخ طائرة إسرائيلية ينفجر في المكان. خيّم الدخان على الأرجاء، وملأت رائحة البارود المكان، واختلط الغبار بالدماء والأشلاء التي تطايرت في كل مكان.

جاء صوت آلاء خافتًا تستنجد بأخيها رياض الذي كان يتأوه من الألم، حاول أن يقاوم جراحه ويقف لينقذ أخته، ولكنه لم يقوَ على الوقوف على قدميه المصابتين.

تجمّع الناس لاستكشاف ما جرى، حملوا آلاء المصابة في رأسها، كان قلبها لا يزال ينبض يحاول أن يقاوم الموت، ولكن الإصابة كانت أقوى، فلفظت أنفاسها قبل أن تصل المشفى.

أيام قليلة على بدء العام الدراسي، كانت آلاء تنتظر انقضاءها على أحر من الجمر، يملأ قلبها الصغير الشوق للالتحاق بالصف الأول الابتدائي مرتدية الزي المدرسي الجديد، وحقيبتها الوردية التي تغطيها صورة "إيلسا" الشخصية الكرتونية الأحب إلى قلبها و"مطرة" الماء كذلك.

ولكن آلاء رحلت سريعًا، ودفنت الصواريخ الإسرائيلية أحلامها معها، فلن تحدث والدتها المفجوعة بفقدانها، عن أول يوم مدرسي ولا عن شريكتها في المقعد الدراسي التي استمتعت باللعب معها في الفسحة، ولن تساعد والدتها في تغليف الدفاتر بالنايلون اللامع الذي اختارته بنفسها.

رحلت آلاء وتركت رياض الذي يكبرها بعام ونيف، الذي كانت تلازمه مثل ظله، يسأل عنها ولكن لا يعرف أنها ذهبت لملاقاة ربها.

في لحظات استفاقته الأولى وهو على سرير الشفاء في مجمع الشفاء الطبي سأل جدته "وين آلاء؟، أنا شفت وجهها مليان دم، نادت عليا وما قدرت أقوم أساعدها"، لتسأله جدته "لماذا لم تفعل؟" فيجيب "حاولت أقوم بس رجليا كانو بيوجعوني"، وفق حديث خالها محمد أبو جبل.

الخال محمد يرافق ابن أخته رياض في المستشفى حيث يتلقى العلاج من إصابته المتوسطة بشظايا الصاروخ الذي قتل أخته آلاء، ويتفقد بين الحين والآخر والديهما عبد الله الذي يرقد في غرفة العناية المركزة في إثر إصابته البليغة.

يصف الخال محمد آلاء بأنها الطفلة الهادئة الرقيقة القريبة من قلوب كل فرد في عائلتها، فهي المطيعة التي لا ترد طلبًا لأي أحد، هي الحنونة التي كانت دموعها تنهمر إذا تألم إخوتها، أو مرض أبويها.

على ثلاجة موتى مجمع الشفاء، وقف جدها رياض يمسح على رأس حفيدته آلاء، والدموع تنهمر على خديه صارخًا "ايش ذنب الطفلة هادي، كانت تحلم بشنتتها وملابس المدرسة؟!".

واستدرك متسائلًا: "هل هذه الطفلة البريئة كانت تضرب صواريخ، أو كانت تحارب الاحتلال، ما ذنبها لكي تقتل؟!".

أخرجت آلاء من الثلاجة باردة الجسد، احتضنها جدها لعل حضنه الدافئ يبدد تلك البرودة، لا ينفك عن تقبيلها بحرارة قبلات الوداع الأخير، كفنها بعلم فلسطين وهو يكبر مع جموع غفيرة التفت منه حوله، يكبرون من خلفه.

المصدر / فلسطين أون لاين