فرحة تجاوزت قضبان الاحتلال وسنوات الأسر

تقرير أبناء الأسرى يضيئون عتمة السجون بشموع التفوق والنجاح

...
غزة/ يحيى اليعقوبي:

فوق حجارة منزلها المدمر في قرية روجيب شرق نابلس، شمالي الضفة الغربية المحتلة، وقفت "شهد" ابنة الأسير خليل دويكات، ورفعت شارةَ النصر، وها هي ترفع اليوم شارة النصر مرةً أخرى بنجاحها وتفوقها في امتحانات الثانوية العامة.

ومع اقتراب الامتحانات النهائية، أصدرت محكمة الاحتلال في 24 إبريل/ نيسان 2022 حكمًا بالسجن المؤبد مدى الحياة بحق الأسير دويكات (47 عامًا)، لكن الحكم لم يكسر إرادة ابنته "شهد"، التي أصرت على أن تزرع ابتسامة فرح بين تلك القضبان، فدرست واجتهدت، حتى رست سفينة النجاح عند حصولها على معدل 89.4% بالفرع الأدبي.

شهد تكسر مؤبد والدها

تتسابق عبارات الفرح بمرافقة صوت شهد دويكات، في مستهل حديثها مع "فلسطين" عبر الهاتف: "أعيش أسعد لحظات حياتي الآن، لكن بكل تأكيد هي فرحة ناقصة في غياب الأب (...) قبل اعتقاله عاش فرحة شقيقتي ورأيته كيف كان سعيدًا، وعانقهن في كل مرة، تمنيت لو كان موجودًا معي ليعيش نفس المشهد".

بحكم تقييدات الاحتلال على الأسرى استطاع دويكات معرفة نتيجة ابنته بعد ساعة ونصف الساعة باتصال هاتفي بعيدًا عن عيون السجانين، تتوقف عند ردة فعله: "كان سعيدًا جدًّا، وكان الأسرى حوله سعداء، أكثر ما همني هو فرحته، والحمد لله استطعت رسم تلك الفرحة ومتيقِّنة أن فرحته كانت أكبر من فرحتي، وهذا أقل ما نقدمه لتعزيز صموده داخل الأسر، فقد جاءت بعد حكم المؤبد لتهون عليه مرارة وقسوة الحكم الجائر".

حوّلت شهد بُعد والدها من محنة إلى منحة، "كان البعد صعبًا، لكنه منحني دافعًا قويًّا للوصول إلى أعلى المراتب، خاصة أننا ست شقيقات بلا أخ، وإضافة إلى البعد هدم بيتنا قبل عام ونصف العام، وهدمت أحلامنا مع البيت، ثم صدر حكم المؤبد، لكني أقول للاحتلال: لو بقي يعتقل ويقتل الشهداء سنعمر الأرض بعلمنا فهذا هو سلاحنا".

لم تعزل القضبان الأسير دويكات عن ابنته، بل كان له بصمة في تفوقها: "استطاع الاتصال بي كثيرًا من السجن، وكان يعطيني طاقة كبيرة بالدراسة والتغلب على الألم، وأخذ شهادات عليا وإيصال صوت الأسرى للعالم".

وتشير شهد إلى أنها ستدرس اللغة الإنجليزية، من أجل مخاطبة العالم وتدويل قضية والدها، وهذا الحكم الجائر الصادر بحقه بسجنه مدى الحياة، وإظهار مظلومية الشعب الفلسطيني.

توأمان فرقهما الاحتلال 

أمينة أبو غنام شقيقة الأسير المقدسي فادي أبو غنام وتوأمه، أعدا خطة دراسية للتفوق معًا، لم يفترقا لحظة واحدة لأجل ذلك وكانا يطمحان لكتابة قصة نجاحٍ مقدسية جديدة.

لكن فرقهما الاحتلال بسجن فادي في 20 يناير/ كانون الآخِر 2022، فدرس كل واحد بمفرده بعيدًا عن الآخر، أعلنت نتيجة أمينة بتفوقها في الثانوية العامة وحصولها على معدل 93% بالفرع الأدبي، أما فادي الذي انتهى الأربعاء الماضي من تقديم آخر امتحان له، فستعلن نتيجته في الأيام المقبلة، يأمل والدهما أن يحالفه التوفيق لتكمل الفرحة.

"أكيد الفرحة ناقصة، في غياب فادي ولو كان في البيت ودرسا معًا لحصلا على معدلين مرتفعين، فهما طالبان متفوقان طوال مراحلهما الدراسية"، يقول والدهم لصحيفة "فلسطين".

لم تكن دراسة الأسير فادي سهلة، بل تخللها تضييقات وعقبات يشرحها والده: "منعنا الاحتلال من إدخال كتب للسجن، علمًا أن الكتب داخل السجن شحيحة، وبما واجهه أدركت أن الطالب الأسير حينما يتقدم للتوجيهي فهو يخوض حربًا مع إدارة السجن، ويساعده في هذه المعركة الأسرى الذين وقفوا معه وسهروا على تدريسه".

في غرفة فادي علا صوت الفرح بتفوق توأمه، علامات دراسية تهون عليه قسوة الحياة خلف القضبان، فطالما حلم التوأمان أن يعيشا هذه الفرحة خارج أسوار السجن، لكن شاءت الأقدار أن تسبقه شقيقته، لكن والده مطمئن أن فادي لن يكون أقل منها، فهناك مؤشرات أوصلته إلى هذه القناعة، "كان يتابع دراسته أولاً بأول، ولديه استجابة قوية، حتى إن المراقبين قالوا لي: إن فادي يرفع الرأس، وننتظر النتائج لنحتفل به كما احتفلنا بشقيقته ولتكتمل فرحتنا".

هبة التي لم ترَ والدها

ولدت هبة نيروخ بعد اعتقال والدها، الأسير عماد نيروخ (52 عامًا) من الخليل، المعتقل منذ عام 2004، وهو محكوم بالسجن المؤبد و25 سنة، ورغم أنها عاشت حياة لم تحتضن فيها والدها لحظة واحدة، ومنعها وحرمانها من الزيارات، فإنه دائمًا هو الغائب الحاضر، كما كان لحظة استقبال نتيجة الثانوية العامة التي استطاعت فيها النجاح بالفرع الأدبي.

كانت عينا هبة تراقبان الرسالة النصية لعلامتها، وفي السجن كان والدها يقرب أذنيه إلى المذياع، ليسمع اسمها بين الناجحين، حتى ورد الاسم ليعيش لحظة فرحٍ تكسر مرارة المؤبد وسنوات السجن.

تعود هبة في حديثها لـ"فلسطين" لطفولتها التي حرمت فيها من حنان الأب: "في طفولتي كنت أنادي: بابا، على أي شخص يزورنا، وعندما كبرت تقبلت الواقع المفروض علي كباقي أبناء شعبنا، رغم أنك بحاجة إلى والدك في مناسبات كثيرة، وفي فرحة التوجيهي من دونه الفرحة غير مكتملة، دائمًا هناك غصة".

ما يزيد غصتها، هو تنغيص الاحتلال لها في كل مرة تحاول زيارته، فتارة يرفضها أمنيًّا ويمنعها من الزيارة، وإن سمح لها بزيارته فيتم إذلالها بالانتظار والقهر، ورغم ذلك يحاول الأب وابنته تجاوز كل ذلك والبقاء قريبين من بعضهما: "أبي داعم نفسي كبير لي، دائمًا يزرع فيَّ حب النجاح لإثبات النفس، ورغم أني ولدت بعيدة عنه إلا أننا قريبون من بعضنا، تتباعد الأجساد ويبقى هو في قلبي الحاضر دائمًا".

أسست هبة نفسها بمعاناة كبيرة، رسمت الفرحة على وجه والدها رغم معوقات الاحتلال لهم، وهي تخطط لدراسة تخصصين "حقوق دولية وعلوم سياسية" لتوصل قضية والدها وشعبها للعالم، مؤمنة أن موعد اللقاء مع والدها سيأتي، وحتمًا ستعانقه خارج الأسر.