قمة جــدة العربية في بيت الطاعة الصهيوني وأثرها في القضية الفلسطينية

القضية الفلسطينية تُمثل مسألة مركزية وليست منعزلة عن تأثير محيطها الجيوسياسي، وعلى العكس تمامًا فإن للأحداث في الإقليم العربي وعلى المستوى الدولي تأثيراً هاماً بمرحلة التحرر الوطني على صعيد محوري الناتو العربي والقدس الدولي، ولا شك أن الأنظمة العربية قد تجاوزت حد العلاقات الباردة، وصولاً إلى علاقات تحالفية، ومناورات مشتركة، ضمن إطار التطبيع والخيانة العربية في بيت الطاعة الصهيوني لتصفية قضية فلسطين نهائياً، والدليل أن الاحتلال بات شريكًا في صُنع أزمات المنطقة لصالحه، وعملوا على تحويل الصراع في المنطقة لعداء من العرب تجاه الكيان، إلى العرب تجاه إيــــران.

فمعركة الدفــاع عن القــدس مستمرة ومتواصلة، وهي تمثل لنا معركة حـق وباطــل سننتصر فيها بوعد الآخرة، على اعتبارها جوهر الصراع، والشرارة التي تشعل المنطقة، ويدرك الاحتلال فشله في تحقيق صورة السيادة في القدس، لأن القدس هي بؤرة الصراع بيننا وبين الاحتلال، ونحن الفلسطينيين خُضنا حصاراً طويلاً وحروباً ضروس آخرها سيف القدس التي كانت رسالة مباشرة للدفاع عن المرابطين المقدسيين في الأقصى والشيخ جراح ومخيمات الضفة والداخل المحتل وقطاع غزة نيابة عن الأمة العربية والإسلامية.

غــــزة اليوم بمقاومتها ثابتة ورصينة ومتوافقة وقادرة على الصمود والإبداع، ولديها الإمكانية للتصدي للاحتلال وفرض معادلات قتالية، وذراعها طويلة، حيث وصلت إلى مرحلة ردع العدو حتى تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وبما أن مقاومة الشعب الفلسطيني مستمرة منذ أكثر من مئة عام وقرابة القرن، فإنها تهدف في نهاية المطاف إلى تنفيذ استراتيجية تحرير الأرض، واستعادة سيادة الشعب الفلسطيني على كامل جغرافيته، فهي دخلت مرحلة الثورة والتحرر، وبالتالي فإن تحرير فلسطين وإنهاء الاحتلال هو أمر حتمي وممر إجباري للحديث عن قضايا السيادة الفلسطينية والثوابت المركزية، ولا وجود للسيادة ما دام سرطان المحتل في حياة الفلسطينيين.

في حين تراقب فصائل المقاومة اليوم، بصفتها مشروعًا تحرريًا، التطورات الدولية التي تحدث على صعيد النظام العالمي، وخصوصاً زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لمنطقة الشرق الأوسط مؤخراً وعقد قمة ”جدة العربية” لتأدية الولاء في بيت الطاعة الصهيوني، والتي تهدف لتعزيز العلاقات المشتركة والاتفاق على التصدي المشترك في حالة أي اعتداء خارجي والحفاظ على الأمن القومي والغذائي والاقتصادي بينهما، وعلى أثر زيارة بايدن للمنطقة ناقش لبيد وهرتسوغ الملف النووي الإيراني والجنود الأسرى لدى حماس، كما بحث عباس عن السلام الوهمي من القدس والمطالبة بإنهاء الاحتلال بينما بحثت الإدارة الأمريكية تمديد الهدنة في اليمن والبحث عن الاستقرار والسلام في المنطقة، والجدير ذكره حدث انتقال الرئيس الأمريكي بايدن لأول مرة بطائرته من مطار بن غوريون إلى مطار جدة، وهذه أول خطوة تطبيعية للمملكة السعودية مع الكيان الغاصب وفتح المجال الجوي لكليهما، في المقابل عقدت  قمة ”طهران الثلاثية” بين روسيا وإيران وتركيا لبحث خطوات زيارة بايدن للشرق الأوسط وتعزيز الأمن الغذائي وطرق أبواب التقارب التجاري، كما أنها تتابع أيضاً حالة الصدام الروسي-الغربي ومجالات التحول الدولي نحو تشكيل نظام عالمي جديد تتقلص فيه الهيمنة الأمريكية المطلقة التي تستمد "إسرائيل" قوتها منها، أملًا في الوصول إلى نظام متعدد الأقطاب، وهذا سيجعل للقضية الفلسطينية تموضع أفضل.

ولعل السؤال المطروح اليوم أين فلسطين من قلب الأمة؟ وآفاق ثقافة المجتمع العربي تجاه القضية الفلسطينية؟

مرّت القضية الفلسطينية بعدد لا يُحصى من التحولات البطولية، في حين مرّت المواقف العربية بما لا يُحصى من التنازلات الهزلية، وآخرها قمة جدة، التي جمعت الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني ومصر والأردن والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي، الذين أكدوا بابتساماتهم العريضة دخولهم بيت الطاعة الصهيوني، في وقت يذهب فيه الكيان الصهيوني بعيداً في الإجرام والتوسع الاستيطاني، لكن ما يعطي اللوحة ألواناً زاهية، وما يمنحها بُعداً أسطورياً، هو القرار الشعبي الفلسطيني بالخروج إلى الشارع ومواصلة دعم المقاومة وإعلان التحدي أمام العالم والمجتمع الدولي، في ظل تصدي المرابطين المقدسيين لاقتحامات المستوطنين للأقصى المبارك، في حين سمحت السعودية بزيارة الحاخامات اليهودية للحرم المكي والنبوي في أبشع صور التدنيس والتطبيع الصهيوعربي، وآسفاه على فظاعة مشاهد اقتحام المساجد التي تُشد إليها الرحال وصية رسول الله ﷺ والأمة صامتة ونائمة في سكرات أنظمتها، نعم هذا الشعب الذي لا يعرف اليأس، ولا يعرف الحلول الوسطى، ولا طريق الاستسلام، يلقّن العالم، وفي مقدّمه حكومات الخنوع العربي، معنى الدفاع عن الكرامة والأرض من دون حسابات مسبقة، لقد عوّدتنا تلك الأنظمة العربية على انقسام ثنائي بين ما يسمى جبهة الممانعة وجبهة المهادنة، وهو دليل أساسي على غياب أي موقف مبدئي من هذا الصراع الحيوي في المنطقة، وعلى ارتباط هذه المواقف بالمصالح الوطنية الضيقة بعيداً عن مدى ارتباطها بمصلحة القضية الفلسطينية والفلسطينيين في الداخل والخارج، والتأثير بثقافة روح المقاومة وإنهاء الاحتلال.