اعلان (بايدن-لبيد) والدعم الأمريكي غير المحدود لـ(إسرائيل)

وأخيرًا انتهت جولة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى المنطقة العربية، تلك الزيارة التي بدأها بايدن بتفاخره بأنه شخص صهيوني حتى النخاع، وبإعلانه وثيقة (بايدن-لبيد) التي التزم فيها أمن وتفوق (إسرائيل) على جميع جيرانها في المنطقة العربية، واختتمها بقمة في المملكة السعودية جمع فيها من استطاع من الأنظمة العربية، لتأكيد التعاون الأمني المشترك في مواجهة إيران، وضمان تعاونها في مجالات الطاقة لمواجهة تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية على الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا.

وثيقة (بايدن-لبيد) التي وقعها بايدن دعمًا (لإسرائيل) في مستهل زيارته للمنطقة، وقبل التقائه برئيس السلطة الفلسطينية أو عقده القمة المشتركة مع الزعماء العرب، أراد أن يجسد فيها الدعم الأمريكي اللامحدود لدولة (إسرائيل)، باعتبارها الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة العربية، وهي رسالة واضحة تؤكد لحكام العرب أن (إسرائيل) هي بوابة البيت الأبيض، وينبغي التطبيع العلني معها وتحقيق مطالبها قبل طلب ود الإدارة الأمريكية.

وبالنظر إلى بنود إعلان وثيقة (بايدن-لبيد) التي تم توقيعها رغم انهيار الائتلاف الحاكم في (إسرائيل)، وقبل أسابيع من انتخابات الكنيست الإسرائيلي التي يتم إجراؤها للمرة الخامسة خلال أقل من أربعة أعوام، والتي أكدت الشراكة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة و(إسرائيل)، ما يشير إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة و(إسرائيل) تتجاوز الأحزاب السياسية في كيان الاحتلال، وأنها علاقة راسخة، وأحد ثوابت السياسة الأمريكية في المنطقة العربية باعتبار (إسرائيل) هي ربيبة الولايات المتحدة، وابنتها المدللة، التي تقدم لها الولايات المتحدة شيكًا مفتوحًا من خزينة الحكومة الأمريكية، والتي تفاخر بايدن في مقالته التي نشرها في واشنطن بوست قبل أيام من زيارته مرّر حزمة مساعدات لـ(إسرائيل) هي الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة بمبلغ يتجاوز الأربعة مليارات دولار.

إقرار نصوص اعلان (بايدن-لبيد) بالتزام الإدارة الأمريكية الراسخ بأمن (إسرائيل)، والحفاظ على تفوقها العسكري النوعي في المنطقة العربية، والتأكيد في ذات النص على عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، إنما يؤكد أن محاولات حشد العرب لمواجهة إيران إنما يصب بالأساس في مصلحة (إسرائيل)، وليس مصلحة الأنظمة العربية، ويبدو أن العديد من تلك الأنظمة قد التقطت جيدًا تلك الرسالة، وأن الولايات المتحدة و(إٍسرائيل) تريدها أن تكون حطبًا للمواجهة العسكرية بين إٍيران و(إسرائيل) حال اشتعالها، فسعت بذكاء إلى النأي بنفسها عن استعداء إيران.

محاولة الولايات المتحدة و(إسرائيل) شيطنة حركات المقاومة الفلسطينية في إعلان (بايدن-لبيد)، والزعم بأنها وكيلة للجمهورية الإيرانية إنما يهدف إلى تضليل الشعوب العربية التي تدرك بأن المقاومة الفلسطينية ليست وكيلة لأي دولة من الدول المحيطة، وأن هدفها الرئيس هو تحرير القدس وفلسطين، وأن سلاحها لا يُستخدم في أي نزاع خارج فلسطين، وأن هذه المحاولة الخبيثة بشيطنة الشعب الفلسطيني إنما تخدم الأهداف الإسرائيلية التي لطالما اتهمت المقاومة الفلسطينية زورًا بالإرهاب.

ما يثير الاستغراب في الوثيقة أنه وبالرغم من الدعم اللامحدود الذي تتلقاه (إسرائيل) وعلى مدار عقود مضت من الولايات المتحدة ودول أوروبا فإنها ما زالت تطلب المزيد، لذا وجدنا أن نص الوثيقة يتحدث عن شراكة أمريكية إسرائيلية في الدفاع عن (إسرائيل)، وتعاون صاروخي وتقني في مجال أنظمة الليزر عالية الطاقة للدفاع عن الاحتلال، وكأن (إسرائيل) التي تلقت مئات المليارات والدعم العسكري والأمني اللامحدود ما زالت عاجزة عن الدفاع عن نفسها بمفردها، فهي اليوم تطلب مشاركة الولايات المتحدة بالدفاع عن أمنها، والمشاركة في تطوير منظوماتها الدفاعية المختلفة، وهي رسالة للمقاومة الفلسطينية وللشعب الفلسطيني بأن (إسرائيل) التي تخشاها العديد من الأنظمة العربية المحيطة إنما هي دولة يعتريها الضعف من الداخل، وهي أوهن من بيت العنكبوت في مواجهة الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية.

ختامًا إننا نرى في إعلان وثيقة (بايدن-لبيد) امتدادًا لصفقة القرن التي أعلنها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، فهي تؤكد أن رهان السلطة الفلسطينية على إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إنما أوهام في عقول تيار التسوية العقيم، فجميع وعودات الرئيس الأمريكي لصالح السلطة ذهبت أدراج الرياح، بل والأدهى أن بايدن نفسه قد توج هذه الأوهام الفلسطينية بتصريحه الشهير أن حل الدولتين بات بعيد المنال.

المطلوب فلسطينيا اليوم وبعد انتهاء زيارة بايدن غير المرحب بها هو التوقف عن وهم التسوية مع الاحتلال، وضرورة العودة إلى خيار الشعب، وتحقيق شراكة فلسطينية داخلية، ووضع رؤية فلسطينية شاملة لمواجهة الاستيطان وعدوان الاحتلال المتواصل ضد الشعب الفلسطيني.