تقرير أسوار المسجد الأقصى.. حجارة تحمل تاريخ المدينة المقدسة

...
صورة أرشيفية
غزة/ ضحى حبيب:

تحيط بالمسجد الأقصى أسوار عتيقة تحمل حجارتها تاريخ الحضارات المتعاقبة على المدينة المقدسة من زمن الرومان إلى الفرس، ومن الفتح الإسلامي إلى الاحتلال الصليبي ومنهم إلى الأيوبيين والعثمانيين وصولًا إلى الاحتلال الصهيوني اليوم. 

وتفيد المراجع التاريخية بأن أسوار المسجد بنيت في فترات متفاوتة بهدف حماية المسجد ومعالمه، التي تقدسها الشرائع السماوية، من أي عدوان خارجي يستهدف تدمير أي من تلك المعالم. 

وتحيط الأسوار بما تبلغ مساحته قرابة 144 ألف متر مربع، تشمل قبة الصخرة والمسجد القبلي والمصلى المرواني ومصلى باب الرحمة ومعالم أخرى يصل عددها إلى 200 معلم.

يقول الباحث والمختص في شؤون القدس والمسجد الأقصى إيهاب الجلاد: "يعود تاريخ بناء أسوار المسجد الأقصى إلى عهود ضاربة في القدم منذ عهد سيدنا عيسى عليه السلام، وكانت أسواره قديمًا منفصلة عن البلدة القديمة ثم انضمت إليها فيما بعد".

ويذكر الجلاد أن أسوار المسجد الأقصى تعرضت على مر العصور إلى تدمير جزئي وأضرار مختلفة بفعل المعارك التي كانت تخوضها الجيوش ضد الاعتداءات الخارجية على المدينة، وتم ترميمها وتجديدها وإعادة بناء أجزاء منها في أوقات متفاوتة، وكانت الدولة العثمانية من أكثر الدول التي نشطت في عهدها حركة التجديد والترميم لمعالم المدينة المقدسة.

ففي معركة حطين دمرت أسوار مدينة القدس وبقيت بعدها المدينة في عهد الأيوبيين دون أسوار تحميها، إلى أن جاء عهد الدولة العثمانية حين أمر السلطان العثماني سليمان القانوني ببناء الأسوار من جديد لحماية مدينة القدس وتثبيت الأمن فيها. 

وقد أعيد بناء الأسوار، خلال خمس سنوات، بإشراف مهندسين عثمانيين اعتمدوا في بنائها على قواعدها الأصلية، ويصل طول السور إلى 4كم بارتفاعات متفاوتة تصل إلى 12م أحيانًا. 

ويوضح الجلاد، أن ذلك العهد شهد في أسوار القدس فتح 6 أبواب سميت بأسماء الاتجاهات أو المدن التي تطل عليها، منها: باب الشام أو باب العمود الذي شهد تغيرًا ملحوظًا على مر سنوات الحكم العثماني لمدينة القدس، وباب النبي داود الذي تعرض للتشويه بسبب الرصاص والقذائف في أثناء الحروب العربية الإسرائيلية، وباب الرحمة ويسمى أيضًا باب التوبة الذي أمر سليمان القانوني بإغلاقه ولا يزال مغلقًا إلى يومنا هذا.  

وفي تقرير نشرته قناة الجزيرة، يقول رئيس الحركة الإسلامية في الداخل المحتل رائد صلاح: "إن أبواب مدينة القدس تشكل مداخل لكل وفود الأمة الإسلامية القادمة إلى المسجد الأقصى من كل الجهات دون استثناء". 

ويلفت إلى أن سليمان القانوني حاول، من خلال أبواب المدينة، أن يجعل القدس ملتقى للحضارات الإسلامية بعلمائها وحركة التجارة فيها ومن يشدون الرحال إليها من أي مكان في العالم الإسلامي. 

تأمين المدينة

في حين يقول رئيس قسم التاريخ في جامعة بيرزيت د. نظمي الجعبة: "إن الاهتمام بالأماكن المقدسة أحد أهم مقومات أي دولة تحكم العالم الإسلامي، وقد أحسنت الدولة العثمانية استثمار هذا الجانب لصالحها واعتنت بمدينة القدس ومعالمها، وهو ما منح العثمانيين الشرعية السياسية". 

ويشير الجعبة إلى أن بناء السور في العهد العثماني أسهم في حماية القدس بعد سنوات عانت خلالها من هجمات العربان المحيطين بالمدينة، "وأسهم السور في تقديم أمان نسبي عالٍ للمدينة، إذ إن المستثمرين شعروا بالأمان على استثماراتهم داخل القدس فانعكس ذلك إيجابيًّا على المدينة وتضاعف عدد سكانها في تلك الحقبة". 

ويوضح وزير الأرشيف العثماني أوندر باير، في تقرير الجزيرة، أن عادة بناء الأسوار حول المدن لم تكن منتشرة في البناء والعمران العثماني، لكن بناء سور القدس كان ضروريًّا ومهمًّا لأهمية مدينة القدس ومكانتها. 

ومما يؤكد اهتمام سلاطين الدولة العثمانية بمدينة القدس أن عمليات البناء والترميم لم تقتصر على أسوار المدينة، بل اهتموا بالإعمار والإصلاح داخلها فقاموا ببناء أسبلة الماء، والمساطب لطلبة العلم، وانتشر بناء الأقواس والشرفات، وتشكل الآثار العثمانية ما نسبته 70% من الآثار الموجودة في القدس. 

محو الآثار الإسلامية

أما اليوم، فيحاول الاحتلال سلخ القدس عن تاريخها من خلال محو الآثار الإسلامية منها ليضفي الطابع اليهودي على المدينة المقدسة وينفي أي تاريخ أو حضارة أخرى كانت موجودة فيها لمئات السنين. 

ويعمل الاحتلال على تهويد القدس ومعالمها، ومن ضمنها أسوار القدس، بطرق عدة، فقد أظهرت فيديوهات عرضتها قناة الجزيرة لأسوار المسجد الأقصى، استبدال الاحتلال بحجارة من الأسوار، حجارةً أخرى تحمل رموزًا يهودية ليوحي للزائرين بأن الأسوار من التراث اليهودي، ويقوم الاحتلال بنقش رموز يهودية بارزة على الأسوار بذريعة الترميم والإعمار للمحافظة عليها.

وتضع حكومة الاحتلال قيودًا مشددة على عمليات الترميم التي تقوم بها لجنة إعمار المسجد الأقصى، وتستمر بعمليات الحفر والتنقيب بحجة البحث عن الآثار اليهودية في المدينة.

وبسبب ممارسات الاحتلال، سقط قبل عدة أيام حجر من الحجارة الداخلية للسور الجنوبي للمسجد الأقصى، داخل التسوية المعروفة بمصلى الأقصى القديم، سبقها سقوط صخرة من الجدار الغربي للمسجد الأقصى إلى منطقة باب المغاربة عام 2018، بسبب الحفريات المستمرة في تلك المنطقة ومنع عمليات الترميم للشقوق التي كانت ظاهرة في الجدار.

وعلى الرغم مما تمر به مدينة القدس اليوم، ما زالت أسوار المسجد الأقصى تقف شامخة تحتضن معالم المدينة المقدسة، وتقف شاهدة على كل ما مر على المسجد الأقصى من معارك وحروب واعتداءات ومواجهات، وتنقش على حجارتها آثار الحضارات المختلفة وتاريخها العتيق.