فلسطين أون لاين

بعد شهر من الجريمة

تقرير شيرين أبو عاقلة.. حين يشكل جذع الشجرة درعًا واقيًا من قناص مجرم

...
لحظة استشهاد شيرين أبو عاقلة مراسلة الجزيرة بفلسطين برصاص الاحتلال في جنين
جنين-غزة/ جمال غيث:

"أصيب علي، أصيب علي" صرخات أطلقتها الصحفية شرين أبو عاقلة، للفت أنظار من حولها، بالخطر الذي يتهددهم من قبل جيش الاحتلال الذي فتح النار باتجاههم، ورأت زميلها مضرجًا بالدم.

لم تكن تعلم أبو عاقلة، وقتها أنها ستكون الضحية الجديدة لقوات الاحتلال التي أرادت اقتحام مخيم جنين بالضفة الغربية، وحاولت منع الصحفيين من نقل جرائمهم للعالم.

فمع إطلاق النار الأولى أدرك الصحفي علي سمودي، أن الرصاص يأتي باتجاههم، فاستدار وهو يصيح "إطلاق رصاص"، فأصيب بأعلى كتفه الأيسر من الخلف وخرجت من الأمام، فوقع على الأرض وبدأ يزحف بصعوبة باتجاه الشارع الذي قدم منه الصحفيون، - جنين، برقين- ، وهنا شاهدت أبو عاقلة، زميلها السمودي، مصابًا، لتصرخ بأعلى صوتها " أصيب علي" لتوقف الصحفيون عن التقدم، والتعرض للخطر.

حاولت أبو عاقلة، والقول للسمودي، حماية نفسها من الرصاص لتحتمي خلف جذع شجرة وعلى مقربة من زميلتها الصحفية شذى حنايشة، لكن الاحتلال لن يعرهن اية انتباه وتجاهلهن كونهن صحفيات ويرتدين خوذة ودرع الصحافة، إلى أن أصيبت " شرين" برصاصة في الرأس وسقطت على الأرض مباشرة، ورغم ذلك، فقد استمر إطلاق الرصاص باتجاههم.

بعد مرور أكثر من شهر على اغتيال الصحفية أبو عاقلة، مراسلة قناة الجزيرة، لا تزال مشاهد القتل ماثلة أمام من عايشها، إذ يرفض شريط ذكريات الصحفي المصاب السمودي، مغادرة مشاهد تصفية زميلته أبو عاقلة، التي كان يُرافقها في لحظاتها الأخيرة، قائلًا: "إنّ الصورة لا تزال ماثلة أمامي في مشهد مروع جدًا".

واغتيلت أبو عاقلة، برصاص الاحتلال صباح الـ11 مايو/ أيار الماضي، خلال مداهمة قوات الاحتلال منزل أحد المطلوبين في مخيم جنين، وهي ترتدي السترة الواقية التي تحمل عبارة "صحافة" إضافة إلى الخوذة المخصّصة للصحافيين.

وكشف تحقيق أجرته صحيفة أمريكية، مسؤولية جيش الاحتلال (الإسرائيلي) عن اغتيال أبو عاقلة، وأنّ جنديًّا إسرائيليًّا هو من أطلق الرصاص وقتلها، وهو ما ينفي ادعاءات جيش الاحتلال بأنّ مقتل أبو عاقلة كان غير مقصود.

ويعاود السمودي بالقول بعد أن توقف للحظات بعد ان استحضر المشهد: الحدث مروع وخطير جدًّا، ولا يزال مشهد اغتيال شيرين، ماثلًا أمامي، فهو جريمة كبرى وانتهاك سافر واعتداء صارخ على حرية العمل الصحفي.

"فالجريمة كانت متعمدة، وكان هناك محاولة لقتلي بحسب السمودي، متابعًا "لقد نجوت من الموت بأعجوبة، فقوات الاحتلال كانت تعمّدت بارتكاب جريمة قتل، مع سبق الإصرار والترصد".

لم تكن الإصابة الأولي هي الأولي التي يتعرض لها السمودي، على يد قوات الاحتلال، فقد سبقها (7) مرات تنوعت بين الرصاص الحي والمطاطي والاختناق، بشظايا قذيفة إسرائيلية.

وبصوت متحشرج، ينادي السمودي عبر صحيفة "فلسطين": آن الأوان على المجتمع الدولي لمحاكمة القتلة، وتطبيق القانون الدولي، فمن المُعيب ترك الاحتلال يرتكب الجرائم ويعرض حياة الفلسطيني للخطر".

غادر السمودي، المستشفى قبل أيام لكن تنتظره رحلة علاج طويلة، إلى جانب مرافقته الألم النفسي الذي خلّفته الجريمة، ليطالب العالم للتوقف عن سياسة الكيل بمكيالين والتنصل والتهرب من حقوق الشعب الفلسطيني، ولمحاسبة القتلة، ولاستمرار كل الجهود والمحاولات لرفع شكوى لمحاكمة جنود الاحتلال مرتكبي الجريمة ووقف تهرب (إسرائيل) من العدالة. 

درع الصحافة

وبالانتقال إلى الصحافية شذا حنايشة، الذي بات الحزن مخيمًا عليها، قائلة: أنّ الانتهاكات الإسرائيلية بحق الصحفيين لم تتوقف، ولا أدري ما الحل لوقفها.

وأكدت أن الاحتلال بات يشعر بالخوف من عمل الصحفيين بعد أن نجحوا في إظهار صورته الحقيقية و فنّدوا روايته عقب مقتل أبو عاقلة، "وبات يخشى من ردة فعل دولية في حال تكرّر تصفية صحفيين جدد".

وفقدت حنايشة، وفق قولها، درع وخوذة الصحافة فكانت تعتقد أنه سيحميها من بطش الاحتلال، قائلة: "كان لدينا ثقة عمياء بأنّ ارتداء الخوذة ودرع الصحافة، يحمينا من بطش الاحتلال، وهو ما يجعلنا نتقدم بجرأة للتغطية ونقل وإيصال الحقيقة، ولكن اليوم نسأل أنفسنا، هل ستحمينا كلمة "صحافة" الكبيرة المكتوبة على الدرع؟".

وترى حنايشة، التي كانت تختبئ بين أغصان الشجرة وخلف جذعها، وتقف إلى جوار أبو عاقلة، لحظة اغتيالها، لصحيفة "فلسطين" أن جذع الشجرة حماها أكثر من درع الصحافة، مطالبة بموقف دولي رادع لوقف الجرائم الإسرائيلية الممارسة بحق الصحفيين كي يكملوا عملهم المكفول بموجب القوانين المحلية والدولية.

وعن تشكيل لجنة دولية تشرف على توفير الحماية للصحفيين في الأراضي الفلسطينية ورصد الجرائم الإسرائيلية الممارسة بحقّهم ومحاسبتهم، قلّلت الصحفية حنايشة، من أهميتها، قائلة: "لا يوجد رادع يردع الاحتلال ويوقفه عند حده".

وكان المركز الفلسطيني للحريات والتنمية "مدى" وثق خلال عام 2021 ما يزيد على 368 انتهاكا، من بينها 155 انتهاكا مباشرًا بين إصابات وقتل، حيث استشهد 3 صحفيين خلال العدوان على القطاع هم: محمد شاهين، وعبد الحميد الكولك، ويوسف محمد أبو حسين.

وفي العام الماضي أيضا قصف الاحتلال 33 مقرًا صحفيًا في قطاع غزة خلال العدوان، منها ما دُمّر تدميرا كليا.

ومع بداية العام وثق المركز في متابعته الشهرية 100 انتهاك ضد الصحفيين، معظمها خلال شهر نيسان/ أبريل الماضي، وتركزت ضد الصحفيين في القدس المحتلة ومخيم جنين، خلال تغطيتهم الأحداث.

مقاطعة الاحتلال

من جهته، طالب الصحفي مجاهد السعدي، أحد شهود العيان الذين عايشوا اللحظات الأخيرة من حياة الزميلة أبو عاقلة، جميع القنوات العربية بمقاطعة متحدثي الاحتلال وقادته وعدم استضافتهم، ردًّا على جريمة الاغتيال ولحين تحقيق العدالة.

وقال السعدي لصحيفة "فلسطين": "إنّ المتحدثين هم في الأصل ضباط وقتلة، وعملوا في الميدان لقتل الفلسطينيين، داعيًا كل المؤسسات الحقوقية والقانونية لمحاسبة الاحتلال على جرائمه المماسة بحق الشعب الفلسطيني وخاصة الصحفيين.

وشدد السعدي، الذي لا تزال مشاهد اغتيال الصحفية أبو عاقلة ماثلة أمامه، على ضرورة السير قدمًا لتحقيق العدالة لأبو عاقلة، والانتقام من قتلتها وفق القانون الدولي والمحلي.