اغتيال في وضح النهار

اغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة بعد استهدافها "بطلقة قناص" بالرأس في أثناء عملها الصحفي ما أدى لا رتقائها على الفور، جريمة مروعة يرتكبها الاحتلال مع سبق الإصرار والترصد، دون أي اعتبار لقدسية العمل الصحفي أو للحصانات التي يوفرها "القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة" والتي وفرت (الحماية اللازمة) للصحفيين واعتبرت أن أي مساس بهم، وتقييد حريتهم يوجب الملاحقة والمساءلة الدولية، ويرتب مسؤولية مباشرة على الدول والأفراد، إلا أن الاحتلال لا يلقي بالا لهذه القوانين ولا يأبه بأي معايير دولية، ويتخطى في كل مرة الخطوط الحمراء بل يخترقها بكل وحشية، وهذا ليس غريبا على (دولة مارقة) مثل دولة الاحتلال والتي تورطت وتتورط بأبشع الجرائم تحت غطاء ودعم مباشر من الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

جاء هذه الاستهداف الإسرائيلي لتحقيق أهداف مختلفة سعى ويسعى إليها الاحتلال الإسرائيلي وهي؛ محاولة حجب الحقيقة، ومنع تدفق الرواية، وطمس الصورة الصادقة، كي يفسح المجال لروايته الكاذبة وصوره المفبركة، من الوصول إلى الرأي العام الإقليمي والدولي في محاولة يائسة لتحقيق هذه الأغراض الخبيثة، لكنه فشل ويفشل في تحقيق هذه الأهداف، والعالم أجمع بات يدرك تماما أن هذا الكيان مجرم وسجله "مثقل بالانتهاكات" الخطيرة والجسيمة، ولا يتوقف عن ارتكاب المزيد من المجازر، بغرض نشر الإرهاب وفرض السيطرة تحت وطأة القوة.

كانت المشاهد صادمة للغاية في جنين حينما تم إخراج جثة المراسلة "شيرين أبو عاقلة" بصعوبة بالغة؛ نتيجة استمرار إطلاق النار بشكل مباشر على المنطقة التي توجد فيها، وتعريض حياة زميلتها (شذا حنايشة) للخطر المباشر، والتي كانت توجد بالقرب منها، وهذا يعني أن الاحتلال حاول ويحاول ردع الصحفيين، ونشر الخوف في أوساطهم، ومنعهم من إمكانية مواصلة هذه المهنة، بل وإجبارهم على الابتعاد عن المناطق التي يعمل بها جيش الاحتلال ويرتكب فيها العديد من الجرائم، وأكثر من ذلك في أنه يسعى لتدفيع الصحفيين الثمن من جراء تغطية جرائم العدو، وإغلاق الحساب مع بعضهم بطريق وحشية، بعد أن نجحوا في (كشف، وفضح، وتعرية) سلوك الاحتلال الإجرامي.

ومن جانب آخر يعطي دلالة واضحة بأن الاحتلال يتحضر ويستعد لتنفيذ عدوان واسع النطاق في جنين ومختلف محافظات الضفة، ويريد أن يتحرك بحرية تامة بعيدا عن ملاحقة عدسات الصحفيين، والتي أصبحت تشكل مصدر إزعاج له، وشكلت سدا صلبا أمام تقدم روايته، وأوجدت "كوابح إضافية" في وجه قيادته السياسية والأمنية والتي تشعر بأنها تتعرض لانتقاد دولي واسع النطاق، وباتت تخشى من تبعات هذه الصورة وارتداداتها على مكانتها أمام المجتمع الدولي، لكن غباء الاحتلال يجعله دوما مكشوفًا وعاجزًا عن مداراة أو مواراة هذه الصورة البشعة التي ارتسمت له في ذهن أحرار العالم.

ويكفي أن يختم هذا الاحتلال جريمته بعدوان مقزز وهمجي على مسيرة تشييع جثمان الصحفية شيرين أبو عاقلة ويعيق تحرك جنازتها ويعتدي على المشيعين ويعتقل عددًا منهم بطريقة وحشية دون أي مبرر سوى أنه لم يحتمل هذا المشهد الوطني الفلسطيني المهيب، ولم يستطع رؤية الأعلام الفلسطينية تكسو الجنازة والحناجر تهتف لشيرين وللقضية التي قضت من أجلها، مرة أخرى يرى العالم قسوة المشهد تحت البث المباشر وفي ظل متابعة ملايين البشر على مستوى العالم والذين انخطفت قلوبهم من الحزن على وقع هذا الحدث الأليم.

ماذا سيقول الاحتلال اليوم بعد أن صدر هذه المشاهد المروعة، وتورط في ممارسة أقسى وسائل القمع على المشيعين، وأوشك على إسقاط الجثمان على الأرض من جراء استمرار الاعتداء على الأشخاص الذين كانوا يحملونها بكل حب، وأكثر من ذلك في سعيه لتطويق الجثمان واختطافه بعيدا عن المشيعين، واحتجاز شقيقها الوحيد وعدد من ذويها، والاستمرار في تمزيق الأعلام الفلسطينية، ونشر الخيالة لتشتيت الموجودين وتفريقهم أمام عدسات الصحفيين، وإطلاق قنابل الغاز والرصاص المطاطي والضرب بالهراوات، أعتقد أنه لن يستطيع تضليل العالم أكثر من ذلك، لأن الصورة والرواية والمشهد اليوم ليس في مصلحته، وكلفتها السياسية والإعلامية ستكون باهظة.