تُسهّل التحكم في التقنيات الزراعية خارج التربة

تقرير الزراعة الذكية.. كفاءة عالية وإنتاج أعلى وانخفاض بالتكاليف

...
صورة أرشيفية
غزة/ يحيى اليعقوبي:

يُخصّص المزارع محمود فلفل عشر دقائق يومية من وقته فقط تكفي لمتابعة إشارات شاشة الحاسوب، لمراقبة ثلاثة دونمات يزرعها بنظام الفراولة المعلقة، لمعرفة وجود متغيرات في "الملوحة والحموضة"، تعطيه إنتاجًا يوازي إنتاج عشرة دونمات مجتمعة في الزراعة التقليدية.

على امتداد ثلاثة دونمات، تتدلى حبات الفراولة الحمراء من خطوط أنابيب مرتفعة عن سطح الأرض داخل مزرعته، ويوفر نظام المراقبة المحوسبة أو ما يعرف بتقنية "الزراعة الذكية، وقتًا وجهدًا في التحكم فيها.

ويعتمد نظام الزراعة الذكية على استخدام تقنيات حديثة مثل الاستشعار عن بعد ونظم معلومات جغرافية، وإنترنت بهدف رفع كفاءة الإدارة الزراعية للمحاصيل ابتداء، ومراقبة المحاصيل والتعرُّف على الآفات ونوعيتها وتحديد الكميات والتوقيتات المناسبة لاستخدام الأسمدة والمبيدات ومواعيد الري، مما يسهم في رفع الإنتاجية، وانخفاض التكاليف وتحقيق الجودة المطلوبة للمحاصيل، وتوفير المياه والحفاظ على التربة وغيرها من الفوائد.

"بدأت نظام الزراعة الذكية للفراولة قبل سبع سنوات، عبر نظام محوسب يختص بالتعامل مع الحموضة والملوحة، من خلال تغذية البرنامج بمعطيات معينة، وقراءات ثابتة يتم تحديها للبرنامج "، يقول فلفل لصحيفة "فلسطين"، بينما انتهى من مراقبة أرضه الزراعية مع حلول المساء.

يُقسّم فلفل الموسم إلى ثلاثة أقسام: إنبات، وإزهار، وثمري، بالتالي يُغذّي كل موسم بقراءات مختلفة حول درجة الحموضة والملوحة.

مساحة أقل وإنتاج أكثر

 في غزة التي تعاني اكتظاظًا سكانيًا ومن قلة المساحات الزراعية، تمثل الزراعة بعيدًا عن التربة- والكلام لفلفل- الحل لذلك فهي توفر مساحة أقل وإنتاجا أكثر، فهو يزرع 22 ألف شتلة في نظام الزراعة المعلقة في كل دونم، بينما في حال الزراعة التقليدية فإن الدونم الواحد لا يستوعب أكثر من ثمانية آلاف شتلة".

يستهلك نظام الزراعة المعلقة كميات أقل من المياه، وينتج الدونم الواحد سنويًا عشرة أطنان من الفراولة، يعتبرها فلفل "كمية كبيرة جدًّا".

يقول فلفل عن مميزات الزراعة الذكية بعد ست سنوات من استخدام المنظومة: "وفّرت عليّ وقتا وجهدا، الأمر الآخر أن الجهاز دقيق جدًا فالإنسان قد يسهى وينسى، والأمر سيكون مرهقا جدًا في متابعة الأرض والتسميد".

يضيف: "تعطيك الزراعة الذكية قراءات منتظمة، وكأنك تتحكم بأرضك بريموت كما تتحكم بالتلفاز، فلم أعد أذهب للأرض لتفقد كل الأشتال كما كنت أمضي سابقًا ساعات طويلة لمراقبتها، فالآن قد أذهب للمزرعة عشر دقائق أراقب الجهاز وكل فترة أُغيّر القراءات حسب الموسم".

يعتمد نظام الري بواسطة نقاط يتم أخذها من مزرعة أسماك لديه، من خلال أخذ مخلفات الأسماك المليئة بالفسفور وإعادة تدويرها للاستفادة منها في التسميد.

يمكن استخدام النظام الذكي في الدفيئات الزراعية أيضًا، من خلال نظام محوسب يعطي أوامر فيمكن تشغيل رفع الستائر في الدفيئات عبر الهاتف ومن أيّ مكان كان، مع إمكانية التحريك ورفع الستائر بالتشغيل اليدوي "للجكات" أيضًا في حال حدوث أي مشكلة في النت أو انقطاعه، وكل هذا بدلًا من رفعها يدويًّا في عملية متعبة وفي وقت طويل ومن نفس المكان.

دفيئة ذكية 

والدفيئة مصنوعة من مادة النايلون الشفاف المنفذ لأشعة الشمس، وتكون ذات هيكل معدني أو خشبي تُزرع بداخلها النباتات في درجات حرارة ورطوبة يمكن تنظيمها، لتوفير مناخ دافئ بداخلها بغرض زراعة أنواع من النباتات التي تحتاج إلى مثل هذا المناخ، كما يوفر النظام الذكي إمكانية مراقبة درجة الحرارة والرطوبة. وفق المختص بالمجال الزراعي المهندس نزار الوحيدي.

ويقول الوحيدي لصحيفة "فلسطين": إنّ الزراعة التقليدية مكلفة، بينما الزراعة الذكية موفّرة اقتصاديًّا وبها جودة إنتاج عالٍ، وتعطي كمية مثلى من المياه والأسمدة بحيث لا يحدث إفراط في الاستخدام، ولا يوجد فرصة لحدوث تلوث أو فائض أسمدة تدخل إلى الخزان الجوفي.

وأضاف الوحيدي أنّ أنظمة الزراعة خارج التربة أكثر حاجة أن تكون زراعة ذكية، كزراعة الهيدروبونيك (الزراعة المائية)، وأنّ هذه الأنواع من الزراعة ستكون مجهدة إن لم تكن بنظام ذكي، بحيث يتطلّب منه مراقبة نسبة المحلول على مدار أربع وعشرين ساعة.

ورغم أهمية الزراعة الذكية، إلا أنّ نسبتها في غزة محدودة لا تزيد عن 12 شخصًا استخدموا النظام غالبيتها كانت من خلال حاضنات ريادة أعمال وجامعات وواحدة لوزارة الزراعة قام الوحيدي نفسه بتصميمها.

على مساحة سبعين مترًا تضم 24 حوضًا في كل حوض يزرع المهندس يوسف أبو ربيع في منطقة بيت لاهيا 42 شتلة من "الخس" بنظام زراعة مائية (الهيدروبونيك)، بدون تربة باستخدام محلول مُغذّي يمرّ أسفل النبات إما دون تربة وإما في تربة خاملة مثل الصوف كبديل للتربة التقليدية لا تتفاعل نهائيًّا مع مُكونات المحلول المغذي.

تتفوق هذه الزراعة على الزراعة التقليدية، ففي دونم الأرض يمكن زراعة ثلاثة آلاف شتلة، تسبقها أعمال تجهيز وتعقيم، بينما سيحتاج دونم الأرض إلى 350 حوضًا ستنتج 15 ألف شتلة. 

وعن سبب اختياره لهذا النوع من الزراعة يقول لصحيفة "فلسطين: "كان لديَّ شغف وحبٌّ لتجربة الزراعة المائية وأقمت المشروع تلبية لهذا الشغف، وكوننا نعمل بالزراعة وجدت أنّ الزراعة المائية أفضل، لكن غياب الوعي لدى المزارعين يدفعهم للعزوف عن الخوض فيها".

ينقسم مشروعه إلى أحواض مائية وأنابيب تزرع بداخلها أشتال، مُبيّنًا أنّ هذا النظام من الزراعة يوفّر 70% من المياه، وكذلك يمكن استغلال أسطح المنازل لتغطية عجز قطاع غزة الذي يعاني من ندرة الأراضي الزراعية.

ويوضّح أنّ نظام الزراعة يعتمد على إعادة تدوير المياه، فالمياه تتحرك داخل الأنابيب، وبعد قطف الإنتاج منها مرتين أو ثلاث مرات يمكن تغيير المياه مرة أخرى من خلال تغيير المحلول وتعقيم الحوض، مشيرًا إلى أنه "جرّب زراعة البندورة والخيار ونجحت، وكل الزراعات الورقية ضامنة النجاح".

بدأ يوسف مشروعه منذ شهر مارس/ آذار الماضي، وكونه لم يربطه حاليًّا بنظام حاسوب ذكي، يضطرُّ لقضاء وقت طويل في متابعة ومراقبة الزراعة.

ويعتقد أنه خلال السنوات الخمس القادمة سيتوجه قطاع غزة لاستخدام الحلول الزراعية بعيدًا عن التربة في ظل ارتفاع ملوحة المياه في القطاع خاصة بمحافظات جنوبي قطاع غزة.