كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث

...
صورة تعبيرية
د. زهرة خدرج - كاتبة وروائية فلسطينية

كان هناك عابد يعتكف في صومعته متعبِّدًا طوال الليل والنهار، ينام قليلًا ويأكل قليلًا ويُبعد نفسه عن متاع الدنيا وشهواتها. اسمه كما ورد في الأثر بلعام بن باعوراء.. رجل يهودي عَلِم التوراة وتعمَّق في دراستها، وكان مستجاب الدعوة، فلا يدعو الله بشيء إلا استجاب له رغم أنه لم يكن نبيًّا.. ولكنه رجل صالح!

وكان يقيم في منطقة بعيدة عن الناس قريبًا من نهر الأردن. وكان قوم موسى يتنقلون بحثًا عن الأرض المقدسة (فلسطين) في تلك الأوقات بعد أن خرجوا من سيناء في مصر ومشوا شرقًا يريدون دخول الأرض المقدسة التي وعد الله بها عباده الصالحين.

وحدثتكم في قصة سابقة عن رحلة بني (إسرائيل) في بحثهم عن الأرض المقدسة، كيف أنزل الله عليهم المن والسلوى ليأكلوا منها فاعترضوا وطلبوا منه أن يُنبت لهم من الأرض قثائيات وبصل وثوم لأنهم لا يستطيعون الصبر على نوع واحد من الطعام حتى لو كان أفضل الطعام. وحدثتكم أيضًا كيف عبدوا العجل عندما ذهب موسى للقاء ربه وتأخر عنهم عدة أيام فصنعوا عجلًا من الذهبِ الذي حملوه معهم لقوم فرعون، عندما هربوا برفقة نبي الله موسى من مصر والذي شق البحر بأمر الله وجعلهم يمرُّون من منتصفه، وبعد أن خرجوا من الطرف الآخر، أغرق فرعون الذي كان يتبعهم هو وجنوده.

وخلال رحلة بحث بني إسرائيل عن الأرض المقدسة تاهوا أربعين سنة توفي خلالها نبي الله موسى، وتعرض قومه لابتلاءات واختبارات حتى أنه لم يبقَ منهم إلا الصالحون الذي وعدهم الله بتلك الأرض، وقادهم يوشع بن نون ليدخلوها.

أصبح بنو إسرائيل بالقرب من الأرض المقدسة، فسمع القوم الذين يعيشون فيها عن قدومهم، فرُعبوا رعبًا شديدًا وخافوا أن يسلبهم بنو إسرائيل أراضيهم وبيوتهم، فذهبوا إلى الرجل الصالح مُجاب الدعوة بلعام بن باعوراء، وطلبوا منه أن يدعوا على بني إسرائيل، فقال: ويلكم، أأدعوا عليهم وهم مؤمنون وبينهم الملائكة؟ والله لا أفعل.

ولكن القوم لم يستسلموا.. بل ظلوا يلحون عليه ويرجونه ويذكِّرونه أنهم سيسلبونهم أرضهم إن هم دخلوا هذه الأرض، وما زالوا به حتى رقَّ قلبه لهم واستجاب لدعوتهم، رغم أنه يعلم تمامًا أن قومه قوم كفر، وبني إسرائيل قوم من المؤمنين حينها.

فركب حماره ومضى إلى حيث يتجمع بنو إسرائيل، وبدأ يدعو عليهم، فكان كل دعاء بِشَرٍّ يدعوه يصيب قومه، وكل دعاء بخير يدعوه يصيب بني إسرائيل بقدرة الله.

عاد بلعام إلى قومه وقال لهم: لقد أضعت دنياي وآخرتي بعد أن استجبت لكم في الباطل، فليس لي الآن إلا المكر والحيلة لبني إسرائيل. وأخذ يحيك المكائد ليوقع بني إسرائيل في المعصية، ونحن نعلم أن القوم بخير ما داموا بعيدين عن المعصية، فإذا وقعوا في الحرام ضلوا ونالهم غضب من الله.

كان بلعام يعبد الله وكان مُستجاب الدعوة، فلما ضلَّ وسار في طريق المعصية غضب الله عليه، وضربَ به المثل في القرآن بالذي أبى إلا أن يخلد إلى الأرض ويتبع هواه.. اندلع لسان بلعام على صدره فأصبح كالكلب الذي يُخرج لسانه طوال الوقت وفي جميع الحالات تراه يلهث.