تقرير "البُرْش".. فرش رمضان الشعبي في الطرقات والأحياء السودانية

...
برش رمضان في السودان
الخرطوم-غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

في السودان تبدو ساعة ما قبل الإفطار مختلفةً عن الدول الإسلامية الأخرى، ففي حين يهرع المسلمون في الدول الأخرى إلى بيوتهم لتناول الإفطار مع أسرهم يتحرَّك السودانيون بشكل معاكس، إذ يحملون طعامهم لتناوله في تجمعات وسط الأحياء السكنية على امتداد مدن وأرياف البلاد.

فتعد "موائد الإفطار الجماعية" ميزة رمضانية سودانية، ولا تقتصر على الأكل والشرب والصلاة وإنما تتعدى ذلك إلى مجالس سمر تستمر في الغالب حتى الساعات الأولى من الصباح ينتظرها الناس بفارغ الصبر من عام لآخر، يُطلق عليها "برش رمضان".

ويقول الطالب الفلسطيني حمزة أحمد الذي يدرس الطب في جامعة الخرطوم، إن صبية كل حي ينشطون في الأسبوع الأخير من شهر شعبان لتجهيز المكان المخصص سنويًا لتناول الإفطار سواء كان مجتزأ من شارع أو زقاق أو ميدانًا عامًّا بتنظيفه وتسويره بقطع من الحجارة وتهيئة جزء منه لأداء الصلاة.

ويشير إلى أن الشباب يردمون مساحة كافية من الأرض لاستيعاب الحضور من أهل الحي مع الاحتياط للضيوف حتى تصبح أعلى قليلًا من مستوى الشارع، وفي الأحياء التي يُعد أهلها من الميسورين يُفرش "البرش" بالرمل المشوب بالبياض ويحرصون على مد مستطيل باتجاه القبلة ليقوم مقام المحراب.

وعند اقتراب موعد الإفطار يحرص الشباب على رش المساحة المذكورة وما حولها بالماء لتلطيف الجو ثم يفرشونها بما تيسر من مفروشات وفق المستوى المالي لأهل الحي، وهناك من المفروشات من لا يخرجها صاحبها إلا في شهر رمضان ويكتسب في المنزل اسم "فراش رمضان"، فلا يستعمل في غيره، تبعًا للشاب الغزي الذي أمضى خمس سنوات في العاصمة السودانية.

و"البرش" سجاد شعبي يُصنع من سعف النخيل، وإن كان استخدامه حاليًّا تراجع لصالح السجاد العصري لكن لا يزال مكان الإفطار يحمل اسمه.

ليس مجرد شعيرة

و"رمضان" في السودان ليس شعيرة دينية فحسب بل هو أيضًا شهر التراحم والتواصل الأسري والاجتماعي بين العشيرة والأصدقاء والجيران.

ويأخذ كل رب أسرة ما أُعِد له في بيته من طعام وشراب فيخرج به إلى ساحة الإفطار الجماعي الذي يدعى له الأعزب وعابر السبيل دون حرج، ومن المألوف في السودان اعتراض سكان القرى المجاورة لطرق المرور حافلات الركاب، والإصرار على جميع راكبيها بتناول وجبة الإفطار ثم مواصلة الرحلة.

ويشير أحمد إلى أن البرش تقام أيضًا على طرق السفر، إذ يتم "إرغام" كل سائقي الحافلات على النزول، إذ يقومون بتناول الإفطار مع الآخرين، وحتى ولو كانت الحافلة مليئة بالركاب وكانوا غير صائمين، لأنهم على سفر فإن طعام الإفطار يقدم للجميع. 

ويقضي العرف السائد بالسودان أنه من العار عدم المشاركة في حلقات الإفطار الجماعي التي تضم في العادة الرجال والصبية من أهل البيوت المتجاورة على جانبي الشارع.

ورغم أنه لا يوجد تاريخ محدد يوضح متى بدأ اعتماد البرش، فإن أهل السودان يؤكدون أنها عادة قديمة تم توارثها عن الأجداد، ووفق بعض المراجع فإن البرش جاء مع أهل الأرياف إلى المدن ومن هناك انتشر على نطاق واسع وأصبح جزءًا لا يتجزأ من رمضان.  

والبرش الرمضاني غير مخصص فقط من أجل تناول الإفطار الجماعي، فعندما يحين موعد الصلاة تجدون الموجودين يقومون بأداء الصلاة عليه. 

كما أن الجلسات الرمضانية تمتد حتى مطلع الفجر أحيانًا، وعليه وبعد إزالة الأطباق وبعد صلاة العشاء تبدأ جلسات السمر الرمضانية التي تشمل الكبار والصغار. 

ولا ينفضّ "برش رمضان" إلا بحلول الفجر على أن يلتئم شمل سامريه مجددًا بعد سويعات ولا يطويه شيء غير هلال شوال لتبدأ رحلة انتظار جديدة قوامها أحد عشر شهرًا.