أوقدت شعلة الحرية للأسرى

تقرير مائدة "الحاجة آمنة" تمتد على أطلال ذكريات غيَّبها السجن

...
الحاجة آمنة - "أرشيف"
طولكرم – غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

لم يزُر الفرح بأجواء رمضان والأعياد بيت الحاجة آمنة أبو خرقة "حسين" منذ 20 عاماً، فقد غيبت سجون الاحتلال الإسرائيلي أبناءها الثلاثة، وحرمتها "لمتهم" على مائدة الإفطار والسحور، ما أرهق قلبها ألماً حتى بات "رمضان" مثاراً للجروح وألم البُعد.

ففي عام 2002م اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي ابنها محمد حسين وهو ذاهبٌ لعمله، ومنذ ذلك الوقت غادر الفرح بيت "أبو خرقة" إلى غير رجعة خاصة أن محمد حُكم بالسجن لمدة 26 عاماً، وزاد الأمر سوءاً لديها أن الاحتلال اعتقل في يناير 2004م ابنها الثاني أحمد وحُكم عليها بالسجن 35 عاماً.

ولم يكتفِ الاحتلال بذلك فبعيد شهرين من اعتقال أحمد اعتقل الابن الثالث عدنان وحكم عليه بالسجن 24 عاماً، ومنذ ذلك الحين والأيام تمر بطيئة على الحاجة آمنة وهي تفتقد أبناءها الثلاثة في كل وقت وفي كل ركن من أركان المنزل.

تعيش الحاجة آمنة (65 عاماً) على أطلال ذكرياتها معهم خاصة في رمضان، الذي تقضيه الأسر الفلسطينية مجتمعة على "سفرة واحدة"، في حين تفتقد "سفرة" الحاجة آمنة ثلاثة من أركانها، فلا طعم للأكل والشرب من دونهم، "فالأصناف التي يحبونها لم تعد تدخل بيتي أبداً ولم أعد أطهوها، فلن أتناولها إلا وهم بين أحضاني".

ففي كل ركنٍ من المنزل تستذكر أبو خرقة ضحكات أبنائها وأحاديثهم وسمرهم في نهار وليالي رمضان، سحورهم وإفطارهم معاً، جدالهم على الأطباق التي يريدونها على المائدة، صلاة التراويح جماعة، كل تلك التفاصيل غابت عن بيتها لكنها بقيت في وجدانها حاضرة.

حتى أصبح "رمضان" وقتاً لإعادة فتح جروحها، "فكيف أفرح وباب الزنزانة مغلقٌ على أبنائي الثلاثة، وهي تأكل من سنيْ عمرهم؛ فقد دخلوها شباباً لم يكملوا تعليمهم الجامعي ولم يتزوجوا ولم أفرح بأحفادهم، والعمر يمضي ولا أدري هل سأحضنهم مرة أخرى وهل سأجتمع بهم على "مائدة إفطار واحدة" مجدداً؟!".

زاد الصبر

وليس لنا إلا الصبر زادٌ أمام البُعد وفراق الأحبة، "فأنا أشعر بالنار التي تأكل قلوبهم وإنْ كانوا كلما زرتهم يبينون لي بأنهم سعداء وبحال جيدة، أدرك تماماً أنهم لا يريدون أن يزيدوا من حِملي وهمي، ولكن كيف تبرد ناري والعمر يمضي بهم رغم أنني فخورة بهم وبما قدموه لوطنهم"، تقول آمنة.

ويقضي الأسرى الثلاثة أوقاتهم في إكمال دراستهم الجامعية، حتى إن محمد يدرس حالياً الماجستير كما أنه خطب ابنة عمته "نور قصاص" العام الماضي، "فهم مفعمون بالأمل ويخططون لما بعد السجن لكنني أنا مَنْ يخشى أن أفارق الحياة قبل رؤيتهم كما حدث لزوجي الذي توفي منذ 15 عاماً".

ولا يؤنس وحدة أبو خرقة سوى ابن شقيقتها المحرر محمد خليل الذي اعتقل في نفس القضية مع ابنيها عدنان وأحمد لكن الاحتلال أوقع عليه حكماً بالسجن 12 عاماً لكونه قاصراً، خليل عاش طفولته وعمله المقاوم مع أبناء خالته واجتمع بهم في السجن أيضاً قرابة سبعة سنوات، فقطع عهداً على نفسه أمامهم بألا يترك خالته أبداً ويرعاها كما لو أنهم موجودون وأكثر!

تقول أبو خرقة: "محمد لا يتركني أبداً يتفقدني في اليوم عدة مرات ويتناول معي الإفطار أحياناً، يحاول بكل الطرق أن يعوضني عن غياب أبنائي، وهو عاهدهم بأنْ يقوم بكل شؤوني".

ومع وجود محمد وأبنائه وزوجته حولها لا تشعر أبو خرقة بأن المنزل فارغ، فهو يشعرها بـ"الونس" ويقطع عليها حبل التفكير المرهق في كيف يقضي أبناؤها "رمضان" في السجن، تقول: "الله يرضى عليه، نجلس معاً نستذكر ما كان يفعله أبنائي وما يتمنونه وكيف يخططون للحياة بعد الإفراج".

أما المحرر محمد خليل فيبين أن ما يجمعه بأبناء خالته يفوق قرابة الدم بل هو عشرة عمر خارج وداخل السجن، فهم أقرب ناس لي خاصة عدنان وأحمد، اعتقلنا معاً وتقابلنا لمدة سبع سنوات في سجن "ريمون"، كنا نقضي "الفورة" معاً.

ويضيف: "وبما أن الله أكرمني بالإفراج قبلهم ولشدة ما أعلمه من معاناتهم في الأسر الذي يواجهونه بصبرٍ منقطع النظير وشدة شوقهم لأمهم فإنني عاهدتُ الله أن أرعاها كي أهدئ من روع قلوبهم قليلاً".

فهم لا يريدون إشغال "خالتي" بهمومهم لكبر سنها، لكنهم يتحرقون شوقاً للاجتماع معها على موائد الإفطار في رمضان وفي الأعياد، ويخشون ألا يتمكنوا من تكحيل عيونهم برؤيتها كما حدث مع والدهم الذي توفي دون أن يستطيعوا توديعه.