فلسطين أون لاين

حرير هذا الزمان

...
صورة تعبيرية
د فتح الله صبحي أبو ناجع - ماجستير علوم القرآن وتفسيره

حَرَّم الرسول عليه السلام لباس الحرير على الرِّجال لعلته في التشبه بالنساء والخيلاء والاستعلاء، فقد ورد في صحيح مسلم، عن أبي إمامة الباهلي، رضي الله عنه، أنه قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ".

وقد كثرت في زماننا أدوات الاستعلاء لدى كثير من أغنياء المؤمنين بما يتنافى مع الإسلام سلوكًا، فتفاخرهم بتلك الأدوات أمام الأغلبية من الفقراء المظلومين والمساكين العاجزين جعلهم أبعد عن الدِّين فكانت البغضاء، انعزل كثير من الأغنياء عن الفقراء اجتماعيًّا، ما اضطرَّ كثيرًا من الفقراء إلى الانحراف في سلوكهم أملا في اقتناء ما امتلك نقيضهم في بلد اللاعدالة، والنتيجة مجتمع مؤمن خلوه الإسلام يملأه الحقد والتصادم والانهزام.

قال تعالى: ]أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ[[الزخرف:32] فالآية تشير إلى الفقر والغِنى على أنهما من الضروريات التكاملية للحياة، لقضاء المصالح المعيشية والعمرانية، وأنه أمر قدّره الله لقضاء تلك المصالح. فالفقر سُنّة كونية وهو صورة من صور الابتلاء الرباني للفقراء والأغنياء، له أسبابه إما أن تكون قدرية لحكمة الكمال أو تكون اضطهاد بشري يسبب الكراهية فتسيء الأخلاق، فالغِنَى إن كان من نتائجه ترف وفسوق فطغيان، فهو انحراف عن الحق فبغي وعدوان.

لذلك نهى الرسولe عن الفجور في مظاهر الغِنى ليستطيع الفقير على الصبر، فقديمًا لم يكن الثراء له مظاهر بارزة تقهر الفقير فتحرف سلوكه، فالفقر مقدمة الفساد إذ يقول تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

وإذا افتقر الإنسان فإنه لا يتمكن من توفير الرعاية الصحية والتغذية السليمة وينشأ من ذلك المرض، وإذا مرض فهو عاجز عن العلاج والتداوي بسبب الفقر. والفقير عاجز عن الدراسة ومواصلة التعليم والتثقيف، والفقر ينتج الفوضى أيضاً لأنّ المادة القليلة توجب تصادم المجتمع، وبالتالي يفقد الكثيرون الدين والأخلاق والفضيلة.

ولعل من أهم أسباب الفقر، استبداد الكثير من الأغنياء، وعدم ترك مجال للفقراء للاسترزاق إضافة على ترك الكثير من الأغنياء للصدقات والزكاة مما يحول من مساعدة الفقراء على طوق الحياة فيمل صبره ويتجه نحو نزواته لإشباعها بمتع الحياة وزينتها بكل الوسائل الغير المشروعة وهنا تكون الفوضى.
قال تعالى: ]زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ[ [آل عمران:14]، لذلك جاء القرآن الكريم يحث على الصدقات والإنفاق على شرائح المجتمع الفقيرة المختلفة ليتحقق مبدأ التكافل، قال تعالى: ]إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[ [التوبة:60].

فالمطلوب من الميسورين أن يكونوا عونًا لتماسك المجتمع بالإكثار من الصدقات والإنفاق على الفقراء من خلال المساهمة مساعدتهم بالنهوض في مشاريعهم الصغيرة وعدم محاربتها من خلال تغول الرأسمالية وفجورها، وأيضا من أهم المهام الملقاة على عاتقهم تقوى الله وعدم إبراز غناهم في الطرقات وأمام أعين الفقراء فيكون ذلك عونا في ثبات صبرهم وإيمانهم. فالمتأمل في حياة أصحاب النبي e يجد كثيرين منهم كانوا أغنياء، وأنهم وظفوا ثرواتهم لخدمة دين الله تعالى، فنالوا بذلك سعادة الدنيا وكرامة الآخرة، ومن هؤلاء الصحابة أبو بكر وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وغيرهم. وأخيرا فليتق اللهَ الأغنياء وليتقوا حرير هذا الزمان.